الاتحاد

تقارير

بنغازي... نموذج مصغر لأزمات ليبيا

أبيجيل هاوسلونر
بنغازي

من السهل للغاية أن ينجو المرء بجريمة القتل. ما عليك إلا أن تسأل أي ليبي: من قتل أكثر من 50 فرداً من قوات الشرطة والجيش والقضاة في مدينة درنة بشرق البلاد هذا العام؟ ومن أضرم النيران التي أودت بحياة السفير الأميركي «كريستوفر ستيفنز» وأميركي آخر في مقر البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي قبل عام واحد فحسب؟ ومن أطلق قذائف الهاون التي قتل فيها اثنين من المتعاقدين مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في نفس الليلة؟ أو من يتحمل مسؤولية تعذيب وقتل عبد الفتاح يونس القائد العسكري من حقبة القذافي الذي انشق ليقود المتمردين؟
فكان رد هاشم بشر، وهو زعيم سلفي متشدد من ميليشيا ذات نفوذ في طرابلس هو «هل تعيش في المريخ؟» وقال بشر إنه كي تفهم ألغاز القتل الليبية عليك أن تفهم «أن الوقت ليس ملائماً فحسب»، وهو يقصد أن هناك أشخاصاً يعرفون الإجابات لكنهم ليسوا مستعدين لتقديمها. ويقول كثيرون من الليبيون وجماعات حقوق الإنسان إن الحكومة الضعيفة لفترة ما بعد الثورة غير قادرة أيضاً على إقرار العدل.
ووعدت السلطات الضعيفة في طرابلس بأن تحقق في عمليات القتل، «لكن حتى الآن لم يحتجز أحد. ولم توجه الاتهامات لأحد وبحد علمنا لم يجر التحقيق مع أحد» بحسب ما قالت حنان صلاح، وهي باحثة ليبية في منظمة هيومن رايتس واتش. وقالت إن الحكومة تفتقر للقدرات الفنية للقيام بذلك. لكن الخوف، عنصر مهم أيضاً. فبعد عام على استهداف القنصلية الأميركية في المكان الذي كان مهد ثورة ليبيا عام 2011، أصبحت المدينة الساحلية مركز حملة مبهمة لعمليات اغتيال وتفجيرات. واستهدف معظم عمليات قتل أفراد الشرطة والجيش بالإضافة إلى حفنة من القضاة وناشط سياسي.
ويرى فتح الله بن علي وهو رجل أعمال في بنغازي تحالف مع «الاتحاديين» وهو فصيل في شرق ليبيا يسيطر على البنية التحتية النفطية في المنطقة لينتزع مزيداً من السلطة: «الحقيقة العارية هي أن المدينة تنزف وهناك الكثير من الخسائر كل يوم».
وفي الشهور القليلة الماضية استهدفت تفجيرات مبهمة في ساعات مبكرة من الصباح محكمتين وقاعة حفلات زفاف ومقهى شعبياً. ولم يمت أحد، لكن القصد منها حسب سكان المنطقة هو التخويف. وقال «محمد البرجاتي» صاحب المقهى الذي أصابه الدمار ويعرف باسم روتانا إنه لا يريد أن يرمم آثار الانفجار الذي تسببت فيه قنبلة بدائية الصنع وُضعت في حقيبة تركت على السُلم الأمامي. «البرجاتي» الذي كان يدخن لفافة تبغ أمام مقهاه المغلق «يخشى أن يفجروه مرة ثانية»، مستطرداً: «لو عرفنا من فعلها لقتلناه وأعدنا فتح المقهى. لكننا لا نعرف الجاني».
ويقول كثير من الناس إن بنغازي هي تصغير لصراعات ليبيا الأوسع نطاقاً. وفي الأيام العادية بعد الظهيرة، قد يجد الخصوم السياسيون وقادة الميليشيات أنفسهم ينظرون إلى بعضهم البعض وهم يتناولون قهوة «الاكسبرسو» في بهو أحد الفنادق. وأفراد القوات الليبية الخاصة التي انبعثت من القوة التي كانت قائمة قبل الثورة يعتلون شاحنات عليها مدافع في تقاطع الطرق في وسط المدينة، ويشاركون في «غرفة عمليات أمن مشتركة» لإدارة أمن المدينة. لكن منافسيهم من الميليشيات الإسلامية لديهم غرفتهم الخاصة بعملياتهم وقواعدهم وأحياناً نقاط تفتيشهم.
واشتبكت القوات الخاصة هذا الأسبوع مع ميليشيا أنصار الشريعة المتشددة التي مازالت المشتبه به الأول في الهجوم على القنصلية الأميركية لكن لم يتم مقاضاتها. وتدير جماعة «أنصار الشريعة» نقطة تفتيش على الحافة الغربية من المدينة. وقبل ذلك بأسبوعين أطلق أحد الأشخاص قذيفة صاروخية على سيارة رئيس غرفة العمليات الليبية مما أدى إلى مقتل السائق. وتكاد تكون كل الجماعات المسلحة هنا ملطخة يدها بالقتل والسرقة وانتهاكات حقوق الإنسان.
ومنذ وفاة السفير الأميركي، والمسؤولون الأميركيون بالإضافة إلى دبلوماسيين غربيين آخرين وجماعات من المجتمع المدني لم يعودوا يخاطرون بالعودة إلى بنغازي. حتى ضباط مكتب التحقيقات الاتحادي (إف. ب. أي.) المكلفين بالتحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2012 أجروا القسط الأكبر من تحقيقاتهم من مدينة طرابلس الأكثر أمناً التي تبعد 400 ميل. وقالت أمينة المغيربي عضو المجلس المنتخب الذي يمثل المدينة إن بنغازي تضمحل فقد تركها أصدقاؤها ومستثمروها بينما هي في أمس الحاجة للمساعدة في إقرار العدل والأمن وإعادة البناء وتوفير فرص العمل. وأضافت أن المدينة تعاني من ترك الحكومة وكل البعثات الدولية لها لتصبح المدينة فريسة للإرهابيين والمجرمين وأنصار القذافي والنتيجة هي زيادة عدد العاطلين عن العمل من الشباب ومزيد من تدهور الأوضاع.
لكن هناك سكاناً آخرين من المدينة يتبنون نهجاً مختلفاً فهم ينظرون إلى الزائر الأجنبي ويقتربون منه ويقولون له إن الأمور ليست بهذا السوء ويطلبون منه أن يدعوا الأجانب الآخرين بأن يعودوا إلى مدينتهم. وقال الناشط السياسي الليبي عبد الحافظ السلاق وهو جالس في غرفة المعيشة بمنزله «بنغازي آمنة». وربما يشير السلاق وآخرون إلى شارع فنيسيا المزدحم الذي يبعد مبنيين من الحطام المتفحم للقنصلية الأميركية، حيث يتفرج المحليون على البضائع في متاجر الأثاث والملابس اللامعة حتى ساعة متأخرة من الليل. ويؤكد السلاق إن مقتل السفير الأميركي لم يكن إلا حادثاً وإن عامة الناس لم يتأثروا بالقتل.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا