الاتحاد

تقارير

البوسنة ومخاطر الفوضوية في العدالة الانتقالية

فاليري هوبكنز
صحفي يعمل في منطقة البلقان منذ عام 2010

في الثامن عشر من نوفمبر ذهب مجرم الحرب المدان «سلوبودان ياكوفليفيتش” إلى قريته «سكيلاني» بالبوسنة قبل 20 عاماً من انتهاء عقوبته. وقد أطلق سراح «ياكوفليفيتش» بعد قضاء ثمانية أعوام ونصف العام في السجن بتهمة ارتكاب مذابح جماعية أثناء حرب البوسنة. وقد استقبل كبطل، حيث أقام جيرانه ومؤيدوه له احتفالاً في كنيسته الأرثوذكسية المحلية. وحضر الحفل رئيس الحكومة في سربرنيتسا، وهي البلدية التي تقع بها سكيلاني. ولم يتم الإفراج عن «ياكوفليفيتش»، وهو صربي بوسني، لأن تهمته كانت قيد البحث والجدل. ولكنه أفرج عنه مع تسعة آخرين من مجرمي الحرب، خمسة منهم وجهت إليهم تهمة ارتكاب مذابح جماعية، لأن المحكمة الدولية ذكرت أنه حكم عليهم وفقاً لقانون خاطئ. وقد عاد بعض الذين أفرج عنهم إلى موطنهم مثل «ياكوفليفيتش»؛ وقيل إن اثنين منهم على الأقل غادرا البوسنة بالفعل، متجهين إلى صربيا. وهناك مخاوف أن العديد من مجرمي الحرب، يتراوح عددهم من 20 - 100، قد يتم الإفراج عنهم. وذكر بيان صحفي أن المحاكم البوسنية أفرجت عن هؤلاء الرجال، على الرغم من أن الأحكام لا تزال قائمة، لأنه لا يوجد إجراء قانوني في البوسنة يفصل الإدانة عن صدور الأحكام. وبناء عليه، يتعين إعادة الإجراءات التي حُكم بالسجن على هؤلاء الرجال بمقتضاها. وساهم قرار الإفراج عن عشرة رجال في تفاقم انعدام الثقة في المؤسسات القضائية في البوسنة، والتي تتصف بالفعل بكونها مؤسسات هشة، كما أثار القرار غضب عائلات حوالى ثمانية آلاف مسلم من الرجال والأطفال الذين راحوا ضحية المجزرة التي ارتكبتها قوات صرب البوسنة عام 1995، والتي تعد أسوأ عمل مشين ارتكب في أوروبا منذ محرقة اليهود (الهولوكوست)، والمعترف به قانونياً كإبادة جماعية. (أدين ياكوفليفيتش لضلوعه في قتل ألف مدني في مستودع.) وزاد ذلك من التوتر في «سربرنيتسا» والمناطق المحيطة بها، وهي منطقة يغلب عليها الصرب والتي عاد إليها بعض المسلمين المشردين منذ الحرب. ويخشى الشهود الذين أدلوا بشهادتهم ضد هؤلاء الرجال من الانتقام.
«لم يحدث شيء من شأنه زعزعة الاستقرار في هذه الدولة منذ الحرب أكثر من الإفراج عن هؤلاء العشرة رجال»، حسبما ذكر «إمير سولياجيتش»، وهو بوسني مسلم، وواحد من الذين نجوا من المذبحة، وعاد إلى وطنه في «سربرنيتسا»، وأضاف: «لقد تركتم الثعلب يعود مرة أخرى إلى حظيرة الدجاج».
كما ذكرت «منيرة سوبازيتش»، رئيسة جمعية أمهات سربرنيتسا للضحايا، أنها قدمت شكوى إلى المحاكم البوسنية في 26 نوفمبر المنصرم. وأضافت «سوبازيتش»، التي فقدت 22 فرداً من عائلتها في الحرب، «هذا الحكم يوصف بالعار. نحن نعتقد أن المحكمة تلاعبت بالضحايا». وأدلت «سوبازيتش» بشهادتها ضد مرتكبي المجزرة، وهي حالياً تقيم في البلدية.
قصة الخطأ الإجرائي الذي أدى إلى هذا الغضب والخوف تتعلق بالبيروقراطية والرقابة: ففي عام 2005، قامت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وهي المحكمة المختصة التي عينتها الأمم المتحدة للنظر في أفظع الجرائم التي ارتكبت في منطقة البلقان، بنقل الجزء الأكبر من القضايا التي تتعلق بالبوسنة إلى محكمة الدولة. وهناك، حكم على هؤلاء الرجال العشرة، وآخرين، بمقتضى قانون العقوبات الصادر عام 2003. وفي يوليو 2013، وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومقرها ستراسبورج، أن رجلين قد تمت إدانتهما بجرائم حرب، بينما كان يجب محاكمتهما استناداً إلى القانون المعمول به أثناء الحرب البوسنية: وهو قانون يوغوسلافيا الجنائي لعام 1976.
وقد حدد قانون 1976 الإعدام كأقصى عقوبة لتهمة ارتكاب مذابح جماعية. أما قانون 2003، فقد ألغى، وفقاً للمعايير الأوروبية، عقوبة الإعدام لكنه فرض أحكاماً بالسجن لفترات طويلة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي أحكام غير موجودة بالقانون اليوغوسلافي. وقد وضع قانون 2003 وتم فرضه في مكتب الممثل السامي للبوسنة، بينما قام الحاكم الدولي بتطبيقه بموجب اتفاق دايتون للسلام لعام 1995، الذي وضع دستور البوسنة في مرحلة ما بعد الصراع. أما القضاة في الغرفة المكلفة بجرائم الحرب في محكمة الدولة في البوسنة، والتي أنشئت عام 2004، فلم يكن مطلوباً منهم استخدام قانون 2003، لكنه كان يعتقد على نطاق واسع أنهم تعرضوا لضغوط من قبل مكتب الممثل السامي لتطبيقه.
وقالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إنه بالرغم من أن كل استخدامات قانون 2003 في جرائم الحرب لا تشكل بالضرورة انتهاكاً للحقوق، إلا أنه يتعين تقييم كل قضية على حدة. بعد ذلك بفترة وجيزة، وفي أكتوبر، قضت المحكمة الدستورية في البوسنة بأنه في ضوء قرار المحكمة الأوروبية، يتعين إعادة محاكمة هؤلاء الرجال ومن بينهم «ياكوفليفيتش»، خلال ثلاثة أشهر. والغرفة التي تعتبر من أهم الجهود المبذولة لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب منذ محاكمات نورمبيرج، قد تكلفت مئات الملايين من الدولارات، ولكنها لم تكمل غير أقل من 250 قضية، بينما يوجد ما يزيد على 1300 قضية أخرى. وقام الممثلون الصرب في البرلمان البوسني باقتراح تشريع لإلغاء كافة الأحكام التي صدرت منذ صدور قانون 2003. هذه الحالة الفوضوية تحمل دروساً وتحذيرات من أجل العدالة الانتقالية وجهود بناء الدولة في المستقبل – خاصة مخاطر التجاوز من قبل المجتمع المدني الذي لا يزال مشاركاً في مؤسسات الدولة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا