الاتحاد

ثقافة

أحمد فؤاد نجم... آن للغريب أن تهدأ روحه

القاهرة (الاتحاد) - شيعت جنازة الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم الذي وافته المنية أمس عن عمر يناهز 84 عاما بعد ظهر أمس من مسجد الإمام الحسين بالقاهرة وسط الآلاف من محبيه.
والراحل نجم من مواليد محافظة الشرقية عام 1929 وهو أحد أكبر شعراء العامية في مصر، وتميزت أشعاره بالنقد اللاذع للحكومات المتعاقبة ولكبار المسؤولين. واشتهر الراحل باسم «الفاجومي» ولديه مسيرة طويلة من الكتابة الشعرية والإبداعية. وفي عام 2007 اختارته المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة سفيرا للفقراء.
وبوفاة أحمد فؤاد نجم، تطوى صفحة شخصية فذة في قدرتها على إثارة الجدل والمشاكسة التي تصل إلى حد الصدام العنيف سواء مع السلطة الحاكمة أو حتى الخصوم في الوسطين الثقافي والسياسي.
نجم وإمام
وقد ارتبط نجم، الملقب بالفاجومي، لسنوات طويلة بشخصية تشبهه إلى حد كبير في التعبير الحاد عن مواقفها وهي شخصية المغني الراحل الشيخ إمام عيسى، حتى أنهما كونا معا ثنائيا يندر تكراره في مجال الهجاء السياسي والاجتماعي عبر الشعر والتلحين والغناء.
كما ارتبط نجم بالكاتبة الصحفية صافيناز كاظم التي تزوجها من 1972 إلى 1976 قبل أن تتحول من اليسار الذي ظل هو وفيا له حتى النهاية، إلى تيار الإسلام السياسي، وأنجب منها ابنته نوارة نجم التي تفوقت عليه في «الثورية» وخالفته علنا في بعض قناعاته وخصوصا فيما يتعلق بثورة 30 يونيو وخريطة الطريق بعد إزاحة حكم الإخوان المسلمين.
وعرضت الفضائيات العربية مؤخرا مسلسل «الفاجومي» قصة حياة نجم وارتباطه بالشيخ إمام عيسى، وهو مأخوذ عن مذكرات الشاعر الكبير والتي حملت العنوان نفسه، وقام ببطولته خالد الصاوي في دور نجم وصلاح عبد الله في دور الشيخ إمام.
والطريف أن نجم نفسه، الذي أصبح في السنوات الأخيرة من عمره من نجوم الفضائيات وبرامج التوك شو، ظهر كممثل في فيلم «شباب ع الهوا» من بطولة أحمد الفيشاوي وحنان ترك.
ولد أحمد فؤاد نجم في 22 مايو 1929 لأم فلاحة أمية من الشرقية هي هانم مرسي نجم، وأب يعمل ضابط شرطة محمد عزت نجم، وقضى بعد وفاة والده وتدهور أحوال الأسرة كثيرة الأولاد ماديا، نحو تسع سنوات في ملجأ للأيتام في مدينة الزقازيق. وفي الملجأ نفسه التقى نجم المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، ابن محافظة الشرقية، لكنهما لم يتوافقا لاختلاف ميولهما، وخرج نجم من هذا الملجأ وهو في السابعة عشرة من عمره.
وعمل نجم في معسكرات الجيش الإنجليزي عقب خروجه من ملجأ الأيتام عام 1945 وتنقل بين مهن كثيرة: سواء، لاعب كرة، بائع متجول، عامل بناء، ترزي. وفي مدينة فايد التقى بعمال المطابع الشيوعيين وكان في ذلك الحين قد علم نفسه القراءة والكتابة وبدأت معاناته الطويلة تكتسب معنى، واشترك مع الآلاف في المظاهرات التي اجتاحت مصر عام 1946 وتشكلت أثناءها اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال.
ويقول نجم: «كانت أهم قراءاتي في ذلك التاريخ هي رواية «الأم» لمكسيم جوركي، وهي مرتبطة في ذهني ببداية وعيي الحقيقي والعلمي بحقائق هذا العالم، والأسباب الموضوعية لقسوته ومرارته، ولم أكن قد كتبت شعرا حقيقيا حتى ذلك الحين وانما كانت أغاني عاطفية تدور في إطار الهجر والبعد ومشكلات الحب الإذاعية التي لم تنته حتى الآن، وكنت في ذلك الحين أحب ابنة عمتي وأتمناها، لكن الوضع الطبقي حال دون إتمام الزواج لأنهم أغنياء».
لكن أحمد فؤاد نجم، بعد ذلك، تزوج كثيرا، زوجته الأولى تدعى فاطمة منصور وأنجب منها بنتا تدعى عفاف، وتزوج أيضاً الفنانة عزة بلبع ثم صافيناز كاظم وممثلة المسرح الجزائرية الأولى صونيا ميكيو، وآخر زوجاته هي السيدة أميمة عبد الوهاب التي أنجب منها زينب، ولديه ثلاثة أحفاد من ابنته عفاف هم مصطفى وصفاء وأمنية.
شهادات
ومن أهم أشعار أحمد فؤاد نجم كتابته عن جيفارا رمز الثورة في القرن العشرين، وقد حصل على المركز الأول في استفتاء وكالة أنباء الشعر العربي.
وقال عنه الشاعر الفرنسي لويس أراغون إن فيه قوة تسقط الأسوار وأسماه الدكتور علي الراعي الشاعر/ البندقية في حين سماه أنور السادات الشاعر البذيء.
ورغم يساريته المشهودة انضم أحمد فؤاد نجم إلى حزب «الوفد» في منتصف يونيه 2010 ، لكنه سرعان ما قدم استقالته في منتصف أكتوبر من العام نفسه، احتجاجا على الدور الذي لعبه رئيس الحزب الدكتور السيد البدوي في إقالة إبراهيم عيسى من رئاسة تحرير جريدة «الدستور» بعد بيعها.. وبعد ثورة 25 يناير شارك نجم في تأسيس حزب المصريين الأحرار.
والطرائف في حياة «أبي النجوم» لا تكاد تنتهي فقد تعرف وهو في السجن على شقيق له كانت الأسرة قد فقدته وهو طفل وهو علي محمد عزت نجم.. وفي السنة الأخيرة له في السجن اشترك في مسابقة الكتاب الأول التي ينظمها المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون وفاز بالجائزة وبعدها صدر الديوان الأول له بعنوان «صور من الحياة والسجن» وكتبت له المقدمة الدكتورة سهير القلماوي، فحقق شهرة واسعة في الوسط الثقافي قبل أن يخرج من السجن.
وبعد خروجه من السجن عين أحمد فؤاد نجم موظفا بمنظمة تضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية وأصبح أحد شعراء الإذاعة المصرية وأقام في غرفة على سطح أحد البيوت في حي بولاق الدكرور، وبعد ذلك تعرف على الشيخ إمام في حارة «خوش قدم «معناها بالتركية «قدم الخير» أو «حوش آدم» بالعامية ليقرر أن يسكن معه ويرتبط به حتى أصبحا ثنائيا معروفا وأصبحت الحارة ملتقى المثقفين.
ونجح الثنائي نجم وإمام في إثارة الشعب وحفز هممه أولاً ضد الاستعمار ثم ضد الديكتاتورية الحاكمة ثم ضد غيبة الوعي الشعبي. ويقول نجم عن رفيق حياته إنه أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم.
لكن ما لبث أن انفصل هذا الثنائي الاستثنائي واتهم الشيخ إمام قرينه أحمد فؤاد نجم بأنه كان يحب الزعامة وفرض الرأي وأنه حصد الشهرة بفضله.


ميراث نضالي

ترك نجم عشرات الأغاني التي تعبر عن رفضه للظلم وحبه الفياض لمصر، وكانت تلك الأغاني أيقونة العمل النضالي خصوصا بين طلاب الجامعات في السبعينيات، وهي اليوم من أهم أيقونات الثورة، حتى أن الثوار كانوا يرددونها في ميدان التحرير وغيره من الميادين، ويتبادلها الشباب، الذين لم يعاصروا ميلادها، عبر صفحاتهم على الإنترنت.
ونعى الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية فقيد مصر والعالم العربي، الشاعر الكبير الراحل أحمد فؤاد نجم الذي أثرى الحياة الثقافية المصرية بأشعاره العامية التي عبرت عن الروح المصرية الأصيلة ووقفت ضد الظلم والطغيان على مر العصور. وقال العربي « إن نجم سيظل علما من أعلام شعراء العامية المصرية، ورمزا للنضال والكفاح على مر الأجيال».
وكان الشاعر الراحل قد فاز/ سبتمبر الماضي بجائزة مؤسسة الأمير كلاوس للثقافة والتنمية الكبرى في هولندا تكريما له على إسهاماته وأشعاره التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب.
وكان نجم يعتزم السفر إلى هولندا الأسبوع المقبل لتسلم الجائزة في 11 ديسمبر في حفل رسمي بالقصر الملكي في أمستردام، لكن الموت لم يمهله.

اقرأ أيضا

اختتام مهرجان الأقصر للشعر العربي