الاتحاد

الملحق الثقافي

بِدعُ الورد(1)

من السمات المتداولة في الشعرية العربية القديمة غلبة النزعة الحسية على مخيالها خاصة في تمثيل الطبيعة· وكان من المعتاد في تمثيل الزهور إضفاء قيمة مادية عليها باقترانها بالمعادن الثمينة في الألوان والنفاسة، وأقصى ما يذهب إليه خيال الشعراء بعد ذلك هو إضفاء قدر من الحيوية عليها وأنسنتها· وفي الجزء الخاص بالمشموم في مختارات ''السريّ الرفاء'' نجده يقسم الفصول طبقا لأنواع الزهور وما يتعلق بها، حيث يأتي في باب ''الورد'' مثلا قول محمد بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى شجرات الورد مظهـرةً
لنا بدائع قد ركِّبْنَ فى قُضُبِ
أوراقها حمرٌ، أوساطها حُممٌ
صُفْرٌ ومن حولها خُضْرٌ من الشَّطبِ
كأنهن يواقيتٌ يطيف بها
زُمرّدٌ وسطه شذرٌ من الذّهب
خاف الرقيب وداعي الشوق يؤمنه
فصار يظهر أحيانا من الحجبُ
ويعلق المصنف على هذه المقطوعة بقوله ''وليس على هذا الوصف مزيد'' فإذا تأملنا صورة هذا المشهد وجدناه يتمثل في تجميع عدد من الألوان في لوحة واحدة، تتشكل من الأوراق الوردية الحمراء، تتوسطها حُمَمٌ صفراء، وتحيط بها خطوط خضراء· وإذا كان الأحمر لونا ساخنا غير محايد فإنه يصب هنا في بؤرة نارية من الحمم، لكن المفارقة أن الحواشي التي تحيط به تظل ندية خضراء أي أنه يجمع بين متناقضات الحس الملموس· على أن حركة الريح وهي تميل بأغصان الورد تجعله يظهر مرة ويحتجب أخرى، كأنه محبٌ يدفعه الشوق للظهور بينما يحمله الخوف على التخفي والاحتجاب· وإذا كانت العلاقة واهية بين صورة الزهور، مع حالة هذا المحب المزعوم فحسب الشاعر أن تتشابه لديه الأشكال والحركات دون أن يتوقع منه القارئ شيئا وراء ذلك من فكر شعري أو فلسفة طبيعية· وتدور بقية القطع التي يوردها صاحب المختارات حول هذه الخطوط التصويرية مع بعض التنويعات المختلفة، فهذا شاعر آخر، عباسي أيضا، يسمى ''البسَّامي'' يقول:
مداهن من يواقيت مركبة
على الزمرد في أوساطها الذهبُ
كأنهن حين لاحت من مطالعها
صبٌ يُقبّل صَبًّا وهو مُـرتقبُ
خاف الملال إذ طالت إقامته
فصار يظهر أحيانا ويحتجـبُ
فأوراق الورد تبدو مثل مداهن مصنوعة من الياقوت الأحمر، مركبة على أعواد من الزمرد الأخضر وقد نثر في وسطها برادة الذهب، لكنها حين تتمايل على بعضها فإنها تبدو مثل العاشق الذي يقبل معشوقه وهو واجف مرتقب· ولأن الصبابة لا تشتعل مع طول الصحبة التي من شأنها أن تورث الملل فإن هذا العاشق يظهر حينا ويختفي حينا آخر· وكأن الشاعر الثاني أراد أن يفيد من تركيب الصورة الأولى فأسبغ عليها شيئا من المعنى وأنسنها في تشبيه طريف يحاول النفاد إلى طبيعة المشاعر وما يعتريها من ضعف وقوة· لكن يظل سقف التخيل منخفضا في كلتا الحالتين، حيث لا يتجاوز اقتران الألوان والمرئيات ومحاولة بث نفحة من المشاعر خلالها دون أن يذهب أبعد من ذلك في مضمار الدهشة الشعرية

اقرأ أيضا