الاتحاد

الملحق الثقافي

أسباب انتشار العربيّة في بلاد المغرب

د· عبد الملك مرتاض

د· عبد الملك مرتاض

قد يتساءل كثير من القرّاء عنْ كيفَ انتشرت اللغة العربيّة في بلاد المغرب العربيّ فأمسى المغاربة يتحدّثونها كما يتحدّثها العرب الأصليون، وهم المعروفون بالعرب العاربة، والعرب المستعربة·
ويبدو أنّ مصطلح ''المغرب العربيّ''، فيما أكّد لي أحد الشّيوخ من المثقّفين الجزائريّين، استعمله لأوّل مرّة مكتوباً في السنوات الثلاثين من القرن العشرين الكاتب الجزائريّ محمد سعيد الزّاهريّ حين أنشأ جريدة بمدينة وهران عام 1936 بعنوان ''المغرب العربيّ''·
وتذكُر الكتاباتُ التّاريخيّة العربيّة القديمة أنّه كان للعرب رحلات جماعيّة، وهجرات اقتصاديّة أو سياسيّة إلى نحو بلاد المغرب· حتّى إنّ بعض المؤرّخين، ومنهم المسعوديّ في ''مروج الذهب'' يرى أنّ سكّان بلاد المغرب من أصول عربيّة هاجروا في ظروف سياسيّة عصيبة· ولعلّ ذلك كان أيّام بختنصّر· في حين يتحدّث ابن خلدون عن هجرة إفريقس بن أبرهة اليمنيّ (الذي سُمّيت باسمه، فيما يبدو، قارّة أفريقيا كلّها، لأنّه هو الذي كان بنى مدينة أفريقية، وصقلّية، فيما يقرّر الأَخباريّون القدماء) إلى نحو بلاد المغرب· ويضاف إلى كلّ ذلك هجرةُ الفينيقيّين، أو قدماء اللبنانيّين، وهم الذين بنَوْا عدّة مدن بحريّة في أفريقيا الشّماليّة القديمة بحكم أنّهم كانوا بحّارين···
وجاء اللّه بالإسلام، وانتشر أوائل المسلمين العرب شرقاً وغرباً إلى أن بلغوا جنوبيّ فرنسا غرباً، وبخارى وأذربيجان وبلاد الشّيشان شرقاً؛ فنشروا معهم الرّسالة المحمّديّة السمحة؛ فكانوا ربّما فتحوا البلد، وعلّموا أهله مبادئ الإسلام، ثم تركوه لهم؛ ولم يكونوا قطّ يفتحون تلك البلدان بنيّة التّوسّع الاقتصاديّ، أو الإقامة الأبديّة إلاّ في حالات استثنائيّة كانت تعود إلى الحرص على نشر الإسلام، أو إلى العمل على تمكينه من قلوب السّكان، في تلك الأصقاع، أساساً·
وللمرء أن يتساءل: لماذا انتشر الإسلام في الشّرق دون انتشار العربيّة معه (وذلك على الرّغم من ثبوت تأثير اللّغة العربيّة في كلّ ما يعرف اليوم تحت مصطلح ''اللّغات الشّرقيّة'' كالفارسيّة، والتّركيّة والأرديّة وغيرها: حيث إنّ تأثير العربيّة في الفارسيّة لا تقلّ نسبتُه عن خمسٍ وستّين في المائة)؛ في حين انتشر في الغرب مع انتشار اللّغة العربيّة في الوقت ذاته؛ فأمسى العالم العربيّ مؤلَّفاً من شِقّين اِثنين: المشرقِ والمغرب؟ ونحن نتساءل هنا عن شأن العربيّة قبل أن تهاجر قبائل بني رياح التي استقرّت في البلاد التّونسيّة، وبني سليم وبني هلال اللّتين استقرّتا بالجزائر، في بلاد المغرب: ما ذا كان شأنها؟ ولم انتشرتْ تلك القبائل في الشّمال الغربيّ لمصر، ولم تجتزئْ بالانتشار في الجنوب مع قدرة العرب على تحمّل الحرارة؟ ألا يكون ذلك إنّما كان لوجود تلك العلاقات العِرْقيّة القديمة، التي أثرْنا اليوم الحديث عنها في هذا العمود بين السّكّان الأوائل للمغرب العربيّ من وجهة، وعرب الجزيرة من وجهة أخرى؟

اقرأ أيضا