الملحق الثقافي

الاتحاد

الكاتب والبقرة

''آليت على نفسي أن أكتب عن نماذج من الناس هم: الشخص الذي استبدّ به العنف حتى غدا هو نفسه التجسيد الفعلي للعنف، والإنسان الرّذل الذي سلبته الرذيلة لبّه، والانسان المتصوّف إلى حدّ الجنون، وسليل الطبقة البورجوازية الذي زُجَّ به في السجن من قبيل الخطأ''· هكذا يحدّث الروائي الفرنسي نان أوسورّو الذي لمع نجمه هذه الأيام بعد نشر روايته الثالثة ''السماء فوق الرأس''· وهي رواية تجري جميع أحداثها في سجن إيفري الواقع بالضاحية الجنوبية الشرقية من باريس· إن الكيفية التي يقع بها تصوير السّجن ورصد ما يحدث بين جدرانه من ويلات هي التي تمدّ هذه الرواية بأدبيتها وعنفها· تمرّد المساجين الذي ينتهي بمجزرة، وانتحار البعض منهم، وعزل البعض الآخر في زنازين مروّعة هو الذي يفتح مفهوم السجن على فكرة الجحيم· بل إن الرواية تنجح في فتح صورة السّجن نفسها على أبعاد رمزيّة تثير في الذهن فكرة العالم السّفلي فتصبح الإقامة في السّجن هي المعادل للهبوط إلى الجحيم، إلى العالم السّفلي، هناك حيث لا شيء غير الويل والعويل وصرير الأسنان·
لا يمكن أن يصنّف نان أوسورّو في عداد الكتّاب العصاميين؛ فهو نفسه يشير إلى أنه تعلّم في المدارس حينا من الوقت يقول: ''كنت تلميذا جيّدا لكن الوسط الذي عشنا فيه كان يجبرنا على مغادرة المدرسة والبحث عن عمل حال بلوغنا الرابعة عشرة من العمر''·
ولا يمكن أن يعتبر من الكتّاب المحترفين· ذلك أنه قدم إلى الكتابة من السباكة ومن السجن· كان قبل نشر روايته الأولى ''أزرق التدفئة'' سنة 2005 عامل سباكة متخصصا في إصلاح المكيّفات· وهو من الناس البسطاء الذين يكسبون قوت يومهم بالكدّ ورشح الجبين· والراجح أنه أدرك منذ طفولته أن خلاص الناس البسطاء الطيبين من الفاقة وضنك العيش أمرٌ مستحيلٌ· كان أبوه سائق شاحنات· أما أمّه فاحترفت غسيل الملابس· وبالكاد كانا يلبيان حاجة خمسة أطفال إلى القوت والكساء· الراجح أيضا أن هذا القدر العاتي هو الذي اقتاد خطى نان أوسورّو على درب الجريمة فصار، قبل بلوغ سنّ الرشد، قاطع طريق يشهد له بالبراعة في النهب· وسرعان ما ألقي عليه القبض وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات وهو لم يتخطّ بعد الثامنة عشرة من عمره· لم تمض سنوات السجن سدى إذ عمد فيها إلى التهام روايات مشاهير الكتاب من أمثال هيمنغواي وسيلين وسارتر وكامو وفولكنر· وحال خروجه من السجن عاد ليشتغل في السباكة وحرفته هذه هي التي ستقوده ذات يوم سعيد إلى بيت الروائي الفرنسي جون باتريك مانشيت ليصلح له مكيّفين تعطّلا· يذكر نان أوسورّو أن جون مانشيت نصحه قائلا: ''إذا كنت ترغب في أن تصبح كاتبا افعل كالأبقار إنها تلوك طويلا ما تأكله ثم تجترّه لتعطي حليبا لذيذا'

اقرأ أيضا