صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

مثقفون: الفيصل عاشق كبير



متابعة ــ سلمان كاصد :

ترددت كلماته على شفاه الكثيرين وتغنت بها الحناجر الذهبية في تاريخ غنائنا العربي الحديث، كل ذلك بسبب رقة شعره وشفافية كلماته العذبة، انه الشاعر الامير عبدالله الفيصل آل سعود الذي وافته المنية صباح امس الاول عن عمر ناهز الثمانين عاما، كرسه في غرس البعد الرومانسي من رهافة الكلمة التي يكتبها وفي روعة الاحساس الذي يفيض به من لواعج الحرمان الذي كان ينسجه بأرق الكلمات، لقد كان لصدى سماع خبر وفاته وقع تلقفته آذان المبدعين من شعراء وكتاب حينها سارعنا للاتصال بهم لنقرأ ونسمع هذه المشاعر الفياضة التي ملأها الحزن على فقد علم من أعلام الشعر العربي الحديث·
لا يموت الشاعر
يقول الاديب حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب وأدباء الامارات: الفيصل كما تولد القصيدة تماما، كون هذا الموت يعود بنا الى مشارف الحرف الاول والقصيدة الاولى امتداد حياة، بوصفه شاعرا جميلا استطاع أن يترك أثرا بمنهجية الحرف وبصوت الاحساس المرهف الذي يتوالد كلما لاحت بالأفق قصيدة منه ترددت في طفولتنا او قرأنا له فهو نسيج ما بين الشعر العربي الفصيح والنبطي، وهو مدار ما بين صوت أم كلثوم الحنجرة الذهبية والإبداع الشعري العربي، وهو على وزن الشعراء الكبار الذين تأسس على مدارسهم من مثل أحمد شوقي وعمر أبو ريشة وغيرهما من الشعراء على مختلف الانساق الزمنية، هكذا لايموت الشاعر بحجم هذا العطاء الفكري والتاريخي·
مكانتة الأدبية الرفيعة
بينما يقول الشاعر كريم معتوق رئيس اتحاد كتاب وادباء الامارات فرع ابوظبي: أول ما عرفنا الراحل الشاعر عبدالله الفيصل من خلال صوت أم كلثوم ولم نكن وقتها نكتب الشعر ولكننا كنا نشعر بالفخر ان تغني فنانة بقامة أم كلثوم لشاعر خليجي·
وحين بدأنا نكتب الشعر كان يعز علينا اننا لم نكن نجد دواوينه متوفرة كما هو الحال مع كتب كثيرة تأتينا من بيروت ومصر، اذ إنني أعتبر الراحل شاعراً مجيداً وكان يستحق أن يأخذ مكانة رفيعة، ولكنه كان مقصرا في الجانب الإعلامي كما يبدو ذلك، كنا نتمنى ان تكون قصائده في مناهجنا الدراسية أسوة بالكثير من المبدعين خليجيا وعربيا، فنحن قد عرفنا الشاعر الكويتي الراحل فهد العسكر وصقر الشبيب من كتب الدراسة، إلا الشاعر عبدالله الفيصل، حيث تصلنا عنه قصائد محدودة في الشعر الفصيح وفي الشعرالنبطي· رحمة الله على الشاعر الراحل ونتمنى ان تحيا ذكراه بما يليق بمكانته الأدبية، ومما يؤسف له اننا دائما نكرم عظماءنا في مجال الأدب بعد رحيلهم·
الدور التنويري
ويقول الشاعر سالم بوجمهور: أتذكر مقولة الراحل الشاعر عبدالله الفيصل السعود عندما قال بأن الكلام ينقسم الى ثلاث مدارس، الشعر، والنثر، والهذر، مما يعني أن هناك ومنذ القدم بمن يأتي بكلام فارغ يلبسه جبة النثر أو الشعر ولكنه ليس منهما·
أتذكر هذه الكلمة الجميلة منه وهي بمثابة كلمة نقد تخرج من شاعر مهم، هذا الرجل لا أقدر إلا أن أشيد بدوره التنويري البالغ الأهمية في تطوير القصيدة النبطية، حيث طور المفردة والصورة وامتاز شعره بالبساطة والسهل الممتنع، رأيت له مقابلة سُئل فيها عن الحرمان الذي يتحدث عنه دائماً في شعره، فقال: انه يتعلق بالإحساس بما فيه إحساسه وليس بما في ماديات الحياة·
أما القاصة عائشة الكعبي فتقول: انني تفاجأت بوفاة مبدع كبير وهو الشاعر عبدالله الفيصل، فهو كان شاعراً مهماً وهو غني عن شهادتنا وهي خسارة للشعر وللناس بهذا الشاعر المبدع وللثقافة العربية، حيث نضب معين آخر جديد من الأدب العربي، إذ ننعى أنفسنا به، وعلينا أن نواسي أنفسنا بهذا الشاعر الذي بقيت كلماته في الذاكرة·· وقصائده بخاصة ثورة الشك من اوائل الكلمات التي حفظتها عندما بدأت أتغنى بأغاني أم كلثوم، فهو عالم الشاعر الذي أدخلنا من بوابته الى العالم الرومانسي و(يامالكاً قلبي) لعبدالحليم حافظ·
وهو شاعر مرهف وعظيم ولو لم يملك هذه الرهافة الشعرية الكبيرة لما تغنت له أم كلثوم·· لأنها كانت دقيقة الاختيار للكلمات وكان أهم شيء لديها هي الكلمة التي دخلت في قلوبنا من نسج عبدالله الفيصل السعود·
ومن الصدمة انني لا أستطيع أن أطيل في الكلام عنه·
الشاعر العاشق
وتقول القاصة سارة الجروان: في يوم ما شكلت أغنية ''يا مالكاً قلبي'' لي منعطفاً مهماً جداً في حالة الحب التي تلبس الإنسان، إنها هواجس خاصة به، واعتقد انها ملكت قلوب الملايين ولاشك سيتذكر العالم اسماً مرادفاً لأسماء عظيمة وكبيرة·
انه شاعر كبير·· فعبدالله الفيصل·· والموت·· حالة من الغناء· اما كجسد فنحن نغادر في هيكلنا الواهن بينما تخلد مشاعرنا مجسدة في قلوب تحبنا لأجل الحب فحسب، فكم جميل أن تخلد ذكرى الإنسان واعزاً للحب، هكذا كانت قصائد الفيصل (فيصل بين الحب واللاحب)·
كما يقول الشاعر المصري كمال عبدالحميد مدير تحرير مجلة المرأة اليوم: كان شاعراً حقيقياً··· وعاشقاً كبيراً·
اذ نفتقد اليوم واحداً من الشعراء الذين تربينا وجدانياً على كلماتهم الجميلة، والكثيرون يذكرون اسمه كصاحب أغنيتي (ثورة الشك و من أجل عينيك) وقد تغنت بهما أم كلثوم فهزت القلوب وأقضت مضاجع العشاق في كل مكان، وأذكر أنني لطالما وقفت أمام كلمات قصيدته المغناة (من أجل عينيك) متأملاً روحه الشفافة وحسه العميق الذي يبدو كوهج لا ينطفئ في كل شطر وكل مفردة، وأزعم أنه واحد من العشاق الكبار، كان عاشقاً من نوع مختلف، عاشقاً للكلمة المتقدة وعاشقاً للقصيدة القادمة من قلقه وتوتره الشاعري المدهش، وعاشقاً للون والظلال، إنه عاشق يرى بقلبه، ويتكلم بقلبه، ويكتب بقلبه، وكان بالنسبة لي مصدراً للآهة الجميلة حين تخرج من الصدر عقب أغنية من كلماته أو قصيدة من قصائده، تماماً كما كنت أتبع آهات ابراهيم ناجي أو كامل الشناوي وغيرهما·
من يقرأ كذلك أعمال الشاعر الراحل عبدالله الفيصل يتعرف على عمق ثقافته وقراءاته في التراث الشعري العربي، قرأ لطرفة بن العبد والنابغة الذبياني وامرؤ القيس وعنترة وعمر بن أبي ربيعة والمتنبي وغيرهم، هؤلاء الذين لا يصلح الشعر دونهم ولا يصلح الشاعر دون أن يكون قد مر على أراضيهم الخصبة والمدهشة، لم يكن الشعر عنده وجاهة أو صورة إعلامية لأجل الحضور، كان رحمه الله شاعراً حقيقياً في زمن يندر فيه الشعر الحقيقي والشعراء الذين يضيئون أرواحنا·
وإذا كنا قد تعبنا تعباً جميلاً مع ثورة الشك ومن أجل عينيك، فإننا نذكر أيضاً أن الشاعر الراحل أضاء بكلماته حناجر عدد من أشهر المطربين أمثال عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة ومحمد عبده· رحم الله الشاعر الراحل وعوض الشعر الجميل عنه خيراً·
خسارة للشعر
أما الشاعر الفلسطيني أنور الخطيب فيقول: يمكن ان نعتبره خسارة للشعر الغنائي والرومانسي الذي لا يمكن تعويضه في ظل مسايرة الأغنية المعاصرة لمنطق الاستهلاك·
لقد رحل كبير آخر من ساحة الشعر العربي، فبعد تجربة اكتملت مبكرا وكنا نعجب كيف ان هذا الأمير يكتب القصائد التي تحمل المعاناة والعواطف المؤلمة، طبعا ان لكل شاعر خصوصياته في نهاية الأمر وفضل الشعر انه يكشف هذه الخصوصية، لم ينل عبدالله الفيصل حظه من النقد، ونتمنى على النقاد حاليا كما جرت العادة ان يتناولوا الشعراء بعد رحيلهم، ويتفضلوا بقراءة هذا الشاعر الرقيق قراءة تليق به وبمكانته في الشعر العربي وليرحمه الله·
الشاعر بشكل عام يعتبر هواجسه وجودية لا تعبر بالضرورة عن معتقده أو تعكس عمق ايمانه ولكنها تجسد قلق الشاعر من الكثير من المعطيات التي يتداولها الناس على انها ثوابت ولو لم يتطرق الشاعر بشكل عام لهذا القلق لكانت تجربته ناقصة وعليه فإن (ثورة الشك) تأتي في هذا السياق مما لاقت صدى كبيراً·