الاتحاد

الملحق الثقافي

الفلسطيني سائحاً في بلده!

مشهد من الفيلم

مشهد من الفيلم

تبتعد المخرجة الفلسطينية التي تحمل الجنسية الأميركية في فيلمها ''ملح هذا البحر''، الذي تم تمويله بأموال سويسرية وبلجيكية وإسبانية وبريطانية وهولندية، إضافة إلى أموال أميركية وفلسطينية، بينما ستتكفل شركة ''بيراميد'' الفرنسية بعملية التوزيع، المخرجة آن ماري جاسر عن المعالجة التقليدية المألوفة لصورة الوطن في الأعمال الفنية التي تناولت القضية الفلسطينة، فهي وعلى الرغم من أنها تقدم حالة الشوق والتوق إلى فلسطين كذاكرة وكحلم من خلال شخصية بطلتها الشابة الأميركية الجنسية، الفلسطينة الأصل والانتماء ثريا (أدتها سهير حماد بتلقائية تصل إلى حد إيهام المشاهد في الكثير من مشاهد الفيلم بأنه أمام شخصية حقيقية تروي حكايتها بطريقة أقرب إلى الوثائقية، منه إلى ممثلة تؤدي دوراً في فيلم روائي)·


يبدأ فيلم ''ملح هذا البحر'' بصور فوتوغرافية عن رحيل الفلسطينيين في العام 1948 وتهجيرهم، صور عن النكبة، وهي بداية أحزان الفلسطينيين التي توارثوها جيلاً بعد جيل، ثم صور لمراكب الصيد الصغيرة في بحر يافا التي رحل فيها الفلسطينيون، منهم جد بطلة الفيلم ثريا التي قامت بدورها الممثلة الفلسطينية سهير حماد·
''ملح هذا البحر'' صرخة سينمائية لحق العودة، الحلم الذي يطارد اللاجئين الفلسطينيين في كل مكان، هو صرخة ألم وأمل في الوقت ذاته بعيداّ عن طاولات المفاوضات والخطابات، هو إحياء لذكريات أوشكت على النسيان، ذكريات بدأت من بحر يافا، البحر الذي يحمل عنوان هذا الفيلم·
اختيار مثل هذا العنوان الموحي للفيلم، ''ملح هذا البحر'' لم يأت من فراغ، حيث أشارت كاتبة السيناريو ومخرجته الفلسطينية آن ماري جاسر في حديثها للحياة إلى أنها اختارت البحر الأبيض المتوسط كعنوان للفيلم لأنه يعني الكثير بالنسبة للفلسطينيين، فهم كانوا يعيشون على ضفافه ويحبونه، وفي العام 1948 عند حدوث النكبة كان البحر آخر ما رآه الفلسطينيون المهاجرون على الزوارق من يافا، فهم محرومون منه ولم يروه منذ تلك اللحظة، لافتة إلى أن الأمر لا يختلف بالنسة للاجئين في الداخل، فهم يعيشون على البحر ''بس ممنوع يروحوا·· إحنا بنحب البحر وبنكرهه بنفس الوقت''·
الشاطئ اليافاوي القديم الذي تغوص أمواجه بالذكريات كان نقطة بداية حكاية المخرجة آن ماري جاسر، حكاية الفيلم الذي يروي قصة الفتاة الفلسطينية ثريا المولودة في بروكلين بنيويورك، والتي تحمل جواز سفر أميركي وتقرر العودة إلى فلسطين للإقامة في بلدها أرض أجدادها لتسترد بعضاً من حقوق عائلتها التي ضاعت في العام 1948 بعد تهجيرهم إلى لبنان ومن ثم أميركا·
لكن بمجرد وصول ثريا الى المطار حاملة جواز سفر أميركيا تكتشف معنى الحواجز والاغلاق ومعنى ان تكون فلسطينيا الغربة الأبدية وأنه لا قيمة لجواز السفر الذي تحمله من خلال الذل الذي تتعرض له عبر التفتيش الدقيق لحقائبها وجسدها وطرح الأسئلة المتكررة والمستفزة في كل خطوة تخطوها من أين أنت؟ لماذا أنت هنا؟·
إلا أن الذل والاستفزاز الذي تعرضت له ثريا لم يقلل من فرحتها التي بدت واضحة على ملامحها العربية لدى مغادرتها المطار في طريقها إلى منطقة رام الله، المنطقة التي يسمح لها بدخولها فقط·
يثير الفيلم الكثير من القضايا المرتبطة بالواقع الفلسطيني وتعقيداته اليومية كصعوبة التنقل والحواجز الاسرائيلية والجدار العازل من خلال توغل الكاميرا في تصوير مشاهد حياتية يومية من معاناة الشعب الفلسطيني، فالفيلم واقعي يصور الحياة المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون والتحدي والاصرار على حق العودة·
أرادت ثريا ببساطة أن تعود إلى بلدها فلسطين وأن تعيش فيها وتسترد الجنيهات القليلة التي تركها جدها في أحد بنوك يافا بعد مغادرته في العام ،1948 لكنها تصطدم بالواقع المرير، حين تذهب إلى البنك ويخبرونها بأن فلوس جدها لم يعد لها وجود ومن الصعب استردادها·
في المشهد هذا تتعرف ثريا على الشاب عماد الذي قام بدوره الشاب الفلسطيني صالح البكري ابن الممثل الفلسطيني القدير محمد البكري، شخصية عماد كأي شاب فلسطيني يعيش في الداخل يحلم بالخروج من فلسطين من القمع والضغط والسجن الذي يعيش فيه يحلم بالذهاب إلى كندا بعد حصوله على التأشيرة ليعيش آمنا بعيدا عن البنادق والدبابات الإسرائيلية·
عماد من قرية صغيرة تدعى الدوايمة تقع في يافا، وهي البلد التي حدثت فيها مذبحة الدوايمة وهجرها أهلها في العام 1948 والفيلم مهدى إليها، وعماد لا يختلف كثيراً عن ثريا، فهو لم يصل إلى البحر منذ 17 عاماً بالرغم من أنه بقربه؛ لأنه ممنوع من مغادرة منطقة رام الله للذهاب إلى يافا·
فالصعوبات التي واجهت الفيلم متعددة، فهو فيلم ليس كباقي الأفلام، فهو يتناول قضية حساسة ومهمة ليس فقط للفلسطينيين بل للعالم بأكمله، هذا ما أكدته المخرجة آن ماري جاسر في حديثها، حيث أشارت إلى أن قضية العودة هي خط أحمر وطرحها سينمائياً ليس بالأمر السهل؛ لأنه يناقش مشاكل اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى وطنهم هذا، لافتة إلى أن الصعوبات شملت صعوبات مادية تمثلت في الحصول على الدعم والصعوبات التقنية من ناحية تصوير الفيلم في فلسطين والذهاب إلى يافا·
دخول آن ماري جاسر إلى فلسطين وتصويرها فيه وانجازها للفيلم يعد اسطورياً، خصوصاً بعد منعها أكثر من مرة من العودة إلى هناك، لكن المخرجة الفلسطينية التي تعيش الآن في الأردن استبعدت أن يكون عدم حصولها على تأشيرة للرجوع إلى فلسطين مرتبطاً بالفيلم، موضحة ذلك بأن هناك عددا كبيرا مثلي (فلسطينيون) يحملون جوازات سفر أجنبية لا تعطيهم اسرائيل ''فيزا''، وهذا ليس جديداً، ببساطة لأنني فلسطينية ولا يريدوننا أن نعود، هذا كل ما في الأمر·
ولم يخل الفيلم أيضاَ من الرمزية، فالمشهد الذي تحاول فيه ثريا استرداد نقود جدها من خلال شرح وجهة نظرها لمدير البنك هذا حقي، ويرد عليها بأن المصاري راحت والبلاد راحت·· ''كل اشي راح''، ما هي إلا اشارات على ضياع الحق والأرض تغلفه الحسرة·
وتبلغ دراما فيلم ''ملح هذا البحر'' ذروتها حين تذهب ثريا لزيارة بيت جدها في يافا الذي تسكنه اسرائيلية حين تبدي ثريا استعدادها بأن تسمح للاسرائيلية بالبقاء، لكنها تريد اعترافاً منها بأنه كان لأهلها وسرق منها والنتيجة كانت بأن الاسرائيلية طلبت لها الشرطة·
الثورة التي أصابت البطلة ثريا في هذا المشهد مقابل الهدوء الذي اتسمت به الاسرائيلية التي تعيش في بيتها أظهرت الفتاة الإسرائلية بمنتهى الرقة في تعاملها وتصرفها، وهذا فيه نوع من الفنتازيا يتناقض مع الواقع ومغزى الفيلم، لكن بطلة الفيلم ثريا الفنانة الفلسطينية سهير حماد علقت على ذلك بقولها إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي فنتازيا بحد ذاتها ولا تستطيع الحكم من هو الفائز ولمن البيت· وليس غريباً على بطلة الفيلم الممثلة سهير حماد أن تقول هذا فهي من اللاجئين الفلسطينيين ولدت وترعرت في أميركا وتحمل الجواز الأميركي، فهي تشاطر ثريا الفتاة التي قامت بدورها الكثير من الأحاسيس والأحلام، مشيرة بقولها ''ثريا هي كل واحد منا، هي كل فلسطينية''·
لذلك كان أداؤها صادقاً في التمثيل، وبدا ذلك واضحاً في المشهد الذي أجبرت فيه الدورية الاسرائيلية عماد على خلع ملابسه كافة أمامها وكانت نظراتها الممتزجة بالصمت كافية للتعبير عن مدى القهر الذي أحست به·
''البحر من أمامكم والعدو من خلفكم''، بهذه الكلمات استقبلت البطلة ثريا بحر يافا الذي لم تراه في حياتها لدى وصولها هي وصديقها عماد إلى يافا (أراضي 1948)· أما عماد، فالبحر يعني له الكثير بعد فراق دام 17 عاما، إلا أن أحاسيسه كانت أقوى لدى وصوله إلى قريته الدوايمة التي تغيرت ملامحها واسمها، لكنه يقرر هو وثريا المكوث في أحد البيوت المهجورة في قرية الدوايمة التي يصر على أنها بيته حين يعلق على حائطها المهجور عبارة ''بيتي العزيز''·
لكن فرحتهما لم تكتمل ببيتهما حين توقفهم دورية للشرطة الاسرائيلية وتمسك بهما على إثر أنهما تسللا إلى داخل أراضي يافا من غير أن يمتلكا تصريحا أمنيا بذلك، لتنتهي قصة عماد وثريا هناك بأخذ الشرطة الاسرائيلية لعماد وترحيل ثريا إلى المطار لأن فترة اقامتها كانت قد انتهت

اقرأ أيضا