الاتحاد

الملحق الثقافي

هيا نلعب في الرموز والحكايات والأساطير

يصطلح نقاد المسرح أن يطلقوا على هذا الفن الأقدم في تاريخ البشرية بأنه ''لعبة''، أهم سماتها التشبيه والمجاز والتخيل، حتى كأننا نفترض تداخل الواقعي بالمتخيل عندما يستميل الأخير إلى محسوس يمكن لنا تمثله خارج حدود النص ممثلاً كان أو مكتوباً· كل ذلك يندمج في رؤية من التمازج واستخدام ثيمات يلعب فيها المؤلف بطريقته الخاصة مازحاً بين الاجتماعي واليومي والسياسي والفكري في إطار من تمثل رموز غاية في الوضوح كي لا يبدو هذا ''اللعب'' مزاجاً افتراضياً·

كما هو واضح أن في استخدام الرموز يحاول الفنان توظيفها بطريقة لا تبدو مغرقة في البنية العميقة للنص كي لا يغرق في التهويمات البعيدة بل تظل هذه الرموز عند البنية السطحية للنص كونه خطاباً لشرائح اجتماعية متعددة الثقافات تجتمع من أجل التمتع أولاً وأخيراً، وكل ذلك لا ينفي إمكانية توجيه شفرات قادرة على توصيل موقف، أو مواقف عدة مسقطة على النص·
وإزاء ذلك، كيف يتوجه الفنان الكاتب المسرحي في لعبة الكتابة للطفل ومحاولة إبراز فهمه لما يحيط به، من واقع مضطرب، سياسياً كان أو اجتماعياً هل يغرق نصه برموز بعيدة، أم يحاول أن يشير ويومئ بشكل شفاف إلى ما يحصل فعلاً، هنا تبدو العملية أكثر تعقيداً وعليه لابد أن يضطلع المؤلف بمهارة العارف بآليات ''لعبة'' المسرح وبآليات تشكل الخطاب وبآليات بث تلك الرموز حتى أنه يفترض فهمها السريع من لدن الجمهور متعدد الثقافات وهو يستلم رموز المسرح وقادر على تأويل ما يستلمه من خشبة المسرح بسهولة ويسر·
قادني لهذه المقدمة نص جديد صدر للمسرحي الإماراتي صالح كرامة العامري بعنوان ''هيا نلعب'' عن مشروع ''قلم'' التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث·
الواقع والافتراض
''هيا نلعب'' عنوان يخلق معنيين أولهما افتراض أن المسرح ''لعبة'' وثانياً توجه النص إلى الطفولة، وهذا ما يشي به النص نفسه الذي تلعب فيه دور البطولة الرئيسية شخصيتان هما ''عدنان وريم'' اللذان لم تتجاوز أعمارهما سبع وثماني سنوات·
النص المسرحي مكون من 4 فصول، يشير الفصل الأول إلى غرفة منام طفلين، أخوين وهما ''عدنان وريم'' يحاولان اللعب قبل نومهما حيث تقوم ريم بصناعة مراوح ورقية ملونة بينما تمدد عدنان على فراشه استعداداً للنوم·
يقدم صالح كرامة رؤية واضحة لتشكل جو المسرحية من حيث ''الفضاء'' و''الشخصيتين''· في الفضاء غرفة وسريران وإضاءة ليلية هادئة وليست معتمة، وعدنان يرفض اللعب بينما تستفزه ريم وتضايقه وهي منشغلة بصنع المراوح الورقية ويحصل بينهما الشد والجذب بين عالمي اليقظة الطفولية عند ريم والعقلانية عند عدنان ولكن هذه العقلانية سرعان ما تتحول إلى ميدانها الطبيعي عندما ينجرف عدنان إلى لعبة أخته ريم بالقفز فوق السريرين ويستتبعه تراشق بكرات من البلاستيك الملونة بينهما فيدخل الأب والأم ويحثان طفليهما على النوم بعد أن يطفئا الأضواء تماماً ويغادران غرفة النوم·
يبدأ المشهد الثاني ''29 صفحة'' وهو أطول المشاهد الأربعة فالأول ''16 صفحة'' والثالث ''6 صفحات'' والرابع صفحتان بفكرة سردية يحاول عدنان أن يرويها لأخته وتتلخص بلقاء بين شخصيتين وهميتين وهما الفتاة جامعة الحطب والذئب، ومن خلال هاتين الشخصيتين يحاول صالح كرامة أن يقرب النص إلى قصرة ''ليلى والذئب'' مما يستدعي عدم غرابة الفكرة كونها مألوفة في عالم الطفولة حتى لتحسب الاشتغال عليها ضرباً من استحالة الايتان بجديد فيها، ولكن صالح كرامة وببراعة يوهم المتلقي بأن حكايته هذه تقترب من ليلى والذئب ولكنها بعيدة تماماً·
طفلة تحمل حطباً لتدفئ بيت أهلها، يتبعها ذئب مدعياً أن داخل الحطب شجرة تظلله وستموت إن لم تزرع في مكانها حيث نبتت في ساق الحطب نبة طينية كان الذئب يتلصص على الرعاة من خلالها·
وقد تتساءل هل تحيلنا تلك النبتة التي يبحث عنها الذئب إلى عشبة الخلود التي بحث عنها جلجامش فلم يحصل عليها عندما أكلتها الأفعى·· ولكن يبدو أن تلك النبة كما تعتقد الفتاة هي روح الذئب·
عدنان: ماذا ستفعلين بشجرة ميتة؟
ريم: لا شيء إنما هي روحك
عدنان: إذاً أنت تعرفين هذا·· هيا خبئيني في طيها لعلي أبلغ الجبال وهناك يصبح أمر اختفائي في الكهوف مسألة سهلة· وتلقي الفتاة بالنبتة الطينية على الأرض، ولم يستطع الذئب أن يلتقطها بعد أن انشبت جذورها في التربة، هنا يطلب الذئب من الفتاة أن تبني له بيتاً، تذعن الفتاة لطلبه وتبدأ في البناء، ويدخل النص في نص جديد آخر حين يأتي ''مجوا'' ابن الذئب باكياً لأن صاحب محل الملابس لم يعطه ما يشاء، فيتوعده الذئب·
تظهر ريم بشخصيات عدة، أولها شخصيتها الرئيسية أختاً لعدنان، وشخصية الفتاة في النص الثاني وشخصية مجوا ابن الذئب وشخصية البناء وشخصية بائع الملابس، بينما يظهر عدنان في شخصيتين وهما شخصيته الرئيسية أخاً لريم وشخصية الذئب· ويبني صالح كرامة النص على مجموعة من الحلقات هي نص الأصل ''عدنان وريم في الواقع'' ونص ''الفتاة والذئب'' ونص ''صاحب المحل ومجوا''، وخلال كل ذلك تتحول الضمائر في الخطاب مع تنامي الحكايات ''الحلقات'' تلك حيث تبدأ ريم باستخدام ضمير المتكلم المذكر عندما تصبح مجوا وعندما تصبح بائع الملابس· بينما يظل عدنان في النص بذات الضمير ''المذكر'' بسبب تطابق المستخدم مع المستخدم ''بفتح وكسر الدال'' إي بين عدنان نفسه كمذكر وشخصيته عندما تحول إلى ذئب كمذكر أيضاً· يحمل صالح كرامة شخصية ريم أقصى طاقة مركبة في شخصيتها وبالضرورة تحتاج هذه الشخصية إلى مهارة عالية في التمثيل كي تؤدي هذه الشخصية المركبة التي يمكن الاستدلال عليها بالترسيمة التالية:
؟ عدنان (1) الأخ - عدنان (2) (الذئب)
؟ ريم (1) الأخت ريم (2) (الفتاة في الحكاية الثانية)
؟ ريم (3) (مجوا في الحكاية الثالثة) - ريم (4) (البناء في الحكاية الرابعة) وريم (5) (بائع الملابس في الحكاية الخامسة)، وكل ذلك يتداخل مع بعض في تحولات الضمائر عند شخصية ريم تحديداً في الحكايتين الثالثة والخامسة· وتنهي الفتاة بناء دار للذئب وتنفذ أيضاً رغبة الذئب بحفر سرداب داخل المنزل كي يتدفأ به الذئب، ويحتمي به وأولاده من الحرب (هنا تدخل ثيمة الحرب بوصفها رمزاً للبئر/ الحفرة) التي يذهب إليها الذئب وحالما يدخل في عتمتها ترى البيت وقد سقط عليه وسط العتمة التي تفاجأ بها في حفرته بعد أن كان سيداً مطاعاً يأمر وينهي ويمارس العسف على الإعراب·· ولكن كي يتم ذلك؟ بعد أن يدخل الذئب الحفرة/ البئر تقوم الفتاة بسحب أحد المربعات البلاستيكية/ في المسرح، الطابوق/ في البيت من الأسفل فينهار وبداخله عدنان/ في المسرح، الذئب/ في البيت·
سنمار والملك
هنا يستفيد صالح كرامة، وربما بشكل يتحكم فيه لاوعي التأليف من قصة ''سنمار والملك''، حينما بنى سنمار قصراً لا يعرف أحد سره إلا هو حيث ضرب المثل ''جزاء سنمار'' وعندما يفضي سنمار بالسر إلى الملك يقتله برمية من أعلى القصر، لكن صالح كرامة يجعل الفتاة توقع الذئب في الحفرة/ البئر بعكس القصة الموروثية·
هنا يصطلح على هذا اللعب بالقلب والابدال كما هو عند الناقد البنيوي سولير في اللعب على التناحي المقلوب·
فكرة صناعة البئر/ الحفرة مشفرة تدل على ذلك الذئب الذي حفر لنفسه حفرة ووقع فيها، حينها تقول له الفتاة: مت أنت وأحفادك الذين سيخلفون الجهل·
وتمتلك الفتاة النبتة الطينية التي هي سر خلودها، حيث لا يحصل عليها الطغاة، وكأن صالح كرامة يشير إلى أن الخلود يبقى بيد المعذبين وليس الأشقياء·
في المشهد الثالث تبدأ الحرب (والمسرحية كما يبدو خلاصة شعب وطاغية، خلاصة حكايات إنسانية مجتمعة) وعندما تقتل الفتاة الذئب / الطاغية يتحول العالم إلى دمار وموت ولكن بهجة الحياة تنبثق ثانية ورغم كل هذا الخوف والموت تنطلق ريم (العودة إلى الشخصية الأساسية) باحثة عن أخيها ''عدنان'' وتعثر عليه فيبتهجان بالذهاب إلى المدرسة (حيث لايزال المتخيل يشتغل في النص) ولأن الحرب قد بدأت، ترى السماء ترعد فوق خشبة المسرح إلا أنهما يستخدمان القناديل البحرية كمظلات تقيهما سقوط القذائب والقصف المدفعي العنيف وكأن صالح كرامة يعادل بين المدرسة/ الحرب في ثنائية متناقضة تماماً وكأنه يعادل بين الحياة/ الموت·
ولأن صالح كرامة مليء بالأمل الإنساني وشفافية الحياة تراه ينتصر للسلام والحب حيث تحمل القناديل البحر ريم وعدنان ليطيرا بعيداً سابحين مع القناديل في عالم بهيج يمتلئ بالفرح·
في المشهد الرابع يعود النص إلى غرفة نوم ريم وعدنان وهما يقفزان فوق سريريهما ويتقاذفان بالكرات البلاستيكية الملونة·· وتدخل الأم والأب ويأمران طفليهما بالنوم لغد حيث تبدأ الحياة بالذهاب إلى المدرسة·
اشتغل صالح كرامة على نص دائري، تشابه فيه المشهد الأول (الفرشة النصية) والمشهد الرابع (اقفال الفرشة) وكلاهما يحتويان المشهد الثاني الأطول والمليء بالحكايات الأربع والمشهد الثالث (الحرب)، ضمن طريقة الروندو أو التطويق بالمماثلة أو المشابهة·
هذا النص الدائري شغل في لعبة افتراضية حكايات الموروث والميثيولوجيا وابتعد عنها كثيراً بل كسر أفق توقع المشاهد بالاقتراب من حكاية ليلى والذئب وهو ليس كذلك وقلّب حكاية سنمار والقصر والملك، واستغل ملحمة جلجاش وعشبة الخلود ولعب على البئر/ الحفرة التي أوقع بها الذئب/ الطاغية·
وقد نتساءل أخيراً·· هل تصل هذه الرموز ـ التي ربما تكون عميقة كثيراً ـ إلى جمهور المسرح المتعدد الثقافات، كونها مستجلبة من أحداث قريبة وحكايات وأساطير بعيدة، أم أن المتلقي يمكنه تأويلها بما يريد، وربما يرى صالح كرامة أننا يجب أن نرتقي بثقافة ولجمهور باتجاهات انحراف النص بما يريد أن يقول لا بما يريد الجمهور، إنه وعي بلعبة المسرح تكنيكياً عليى مستوى شكل النص وحكاية وتأويلاً على مستوى معنى النص

اقرأ أيضا