الاتحاد

الملحق الثقافي

أندريا بوتشيللي·· الملاك الكفيف

أندريا بوتشيللي: الفرق بين الغناء الأوبرالي والكلاسيكي كبير فالأوبرالي تؤديه لجمهور بعيد بينما الكلاسيكي فهو أشبه بالهمس في أذن طفل صغير


هو نغم من السماء يملأ الأرض بالحب والأمل· صوت ملائكي يلف الكون بالسكينة والسلام· معجزة في الغناء ترقى بمعاني الإنسانية والإخاء· ''أندريا بوتشيللي'' سفير الأغنية الإيطالية، والمغني صاحب الحنجرة الأسطورية الذي سيبدر النجوم في ليل أبوظبي ويزيد سماءها تألقاً وبهاء عندما يحيي حفلته الموسيقية غداً على مسرح الحديقة الغربية لفندق قصر الإمارات بصحبة اوركسترا البولشوي ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي السادس للموسيقى والفنون، وهو الحدث الثقافي الأهم في المنطقة الذي يمتد من 21 مارس إلى 2 أبريل الجاري تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة·

يعد ''أندريا بوتشيللي'' المغني الأوبرالي الأكثر شعبية في العالم، وهو التينور الرابع في ترتيب أهم فناني الأوبرا في القرن العشرين، وإحدى الخامات الصوتية الرجالية الأوبرالية النادرة· إذ تم تصنيف صوته بثلاثة أوكتاف من الطبقات العليا· وكان ''بوتشيللي'' أحد العملاقة الثلاثة الذين قاموا بأداء رائعة ''نيسون دورما'' وتعني ''لا ينبغي لأحد النوم''·· من لوحة ''توراندوت'' الأوبرالية في كأس العالم عام ·1990 وعشية انتهائه من أداء اللوحة منح تكريماً عالمياً يضاهي الوصول إلى قمة جبل إفرست· كما حصل على الجائزة الذهبية لأفضل مغن جديد بعد أن حقق ألبومه ''صلاة'' مبيعات أكثر من عشرة ملايين نسخة· ولقد أبدع العديد من السيمفونيات الكاملة، وغنى أمام تمثال الحرية في نيويورك، وأسفل برج إيفل في باريس، وتحت سفح الأهرامات بالجيزة ووسط القاعة الكنسية في الفاتيكان· وغداً سيضاف إلى رصيده صرح جديد وهو الوقوف على مسرح أبوظبي ليغني أروع أغنيات ألبومه الجديد ''إنكانتو'' أي ''السحر''· وهو الألبوم الذي صدر بالتزامن مع احتفاله بعيد ميلاده الخمسين· ويضم مجموعة أغنيات تحكي قصص حب خالدة عبر 170 عاماً مجسدة في العديد من الأشخاص والأماكن·
ولد ''أندريا بوتشيللي'' في 22 سبتمبر 1958 في قرية ''لاجاتيسيو'' الإيطالية من إقليم ''توسكاني'' الريفي الجميل الشهير بالطبيعة الخلابة وأشجار الزيتون· وكان والده ''أليساندرو'' يمتهن الزراعة وصناعة النبيذ· عانى ''أندريا'' منذ ولادته من ضعف بصره· وشخصه الأطباء وهو في سن السادسة بالجلوكوما، وهو مرض وراثي يتلف العصب البصري ولا يمكن علاجه· فكان لضعف بصره دور كبير في تعلقه بالموسيقى· وارتأت والدته أن دراسة فن الموسيقى وعلم الصوتيات هي السلوى· فبدأ تعلم البيانو والناي والساكسفون وهو في سن السادسة· وفي الثانية عشرة من عمره فقد بصره تماماً إثر حادثة أليمة خلال مشاركته في لعب كرة القدم مع أقرانه· وفي العام ذاته حقق أول فوز له في عالم الموسيقى في مسابقة ''مارجريتا دي أورو''· وكأن القدر الذي حرمه من نور البصر كان يخبئ له مفاجآت كبرى في عالم التميز والنجاح· ففي عام 1980 بدأ دراسة الحقوق في جامعة ''بيزا'' وأكمل الدراسات العليا حتى حصل على شهادة الدكتوراه في القانون· ولتأمين مصاريف الدراسة لجأ إلى العزف على البيانو والغناء في المطاعم الضخمة مردداً أغنيات لمطربين عظام أمثال ''فرانك سيناترا'' و''بياف''· في ذلك الوقت علم أن التينور ''كوريلي'' يعطي دروساً في الأوبرا فذهب يطلب منه التتلمذ على يديه، فأعجب ''كوريلي'' بخامة صوته ومنحه أول دفعة قوية على سلم الإبداع الفني· وهي خطوة انتهت به إلى التخلي عن ممارسة مهنة المحاماة نهائياً والتفرغ للفن· وفي عام 1992 سطع نجم ''بوتشيللي'' في عالم الموسيقى· عندما نشر مغني الروك الإيطالي ''زوكيرو'' إعلاناً يبحث فيه عن صوت يشاركه التمارين الخاصة بأغنية ''ميزارى'' والتي من المفترض أن يغنيها مع نجم الأوبرا الراحل ''لوتشيانو بافاروتي''· فعندما سمع ''بافاروتي'' صوت ''بوتشيللي'' قال إن هذه الأغنية لن تغنى بأجمل من هذا الصوت وأطلق عليه اسم الملاك الكفيف

خزانة الأسرار
ما يعرفه عشاق الفن الكلاسيكي عن ''أندريا بوتشيللي'' وإن كثر فهو قليل· لأنه يحرص دوما على إضفاء هالة من الخصوصية على حياته الشخصية· إلا أن نجوميته المبهرة في السنوات الأخيرة أجبرته على فتح خزانة أسراره أمام عشاق فنه· وبات يعرف عنه أشياء لم تكن لتعرف من قبل· منها عدم رغبته في تهذيب لحيته سوى مرة واحدة في الشهر· وهو أمر دفع إحدى المجلات الإيطالية في سبتمبر 2004 إلى إقامة مزاد علني بمبلغ 100 ألف يورو مقابل لحية ''بوتشيللي'' لصالح جمعية خيرية ترعى الكلاب الضالة في العاصمة الإيطالية روما· أما شعر رأسه فله قصة أخرى· فهو لا يحني رأسه للحلاق إلا في يوم تتم دعوته لإجراء مقابلة تليفزيونية· كما أن حمى الهوس بالمغني الشاب جعلت اسمه يندرج تحت قائمة تضم خمسين اسما لأكثر الرجال وسامة في العالم نظمتها مجلة ''بيبول'' الشهيرة عام ·1998 وأنه على عكس ثيابه فإنه ينتقي عطره بعناية فائقة· وفي اللقاءات الإعلامية يرفض ''بوتشيللي'' التركيز على حادثة فقد بصره ويفضل أن يدور الحوار عن جوانب موهبته الصوتية لا جوانب إعاقته البصرية· وما لا يعرفه الكثيرون عن ''بوتشيللي'' أن هاتان العينان المغمضتان طوال الوقت بفعل العمى لونهما أزرق بلون زرقة البحر·
والعجيب أن ذلك الفنان الذي تقطر أغانيه رومانسية ويذوب صوته عشقاً في معانيها قد عانى طويلاً من الحب في أيام الصبا والشباب· وتحطم قلبه مراراً على صخرة التجارب العاطفية الفاشلة· إلا أن الشهرة والفن أغدقا عليه حب ملايين المعجبات وهو ما اعتبره ''بوتشييللي'' مصالحة مع الحب جاءت بعد طول خصام· ويعيش ''بوتشللي'' الآن قصة حب حقيقية مع خطيبته ''فيرونيكا بيرتي'' بعد انفصاله عن زوجته ''إنريكا'' عام 2002 بعد زواج دام عقداً ونيفاً أثمر عن ولدين هما ''آموس'' و''ماتيو''· ورغم شهرة ''بوتشيللي'' وثرائه فهو في حقيقة الأمر يعيش حياة رجل ريفي إيطالي بسيط يقدس الحياة العائلية وينعم بدفء البسطاء من أبناء قريته وأسرته وأصدقائه· ويعيش أوقات فراغه بين القراءة وكتابة الأغاني وتنظيم أموره الفنية مع أصدقائه والاستمتاع بهدوء الريف بين خيوله·
ويقول المقربون من ''بوتشيللي'' إن ''أندريا'' كان مقرباً جداً من والده الذي توفي في 30 أبريل 2000 وهو يوم لا ينسى· إذ طلبت منه والدته أن يفي بأمنية غالية على قلب والده وهي أن يغني ابنه أمام بابا الفاتيكان· وبالفعل وفى ''أندريا'' بنذر والده وغنى أمام البابا ثم عاد مسرعاً لحضور الجنازة·
وللفنان ''أندريا بوتشيللي'' طقوس خاصة للاستعداد للحفلات الغنائية· فقبل أيام من موعد الحفل لا يتوقف عن أداء تدريباته الصوتية يومياً في الاستوديو والمسرح والبيت، حتى أنه يعترف بأن ولديه يضيق صدرهما بصوته أحياناً، فيتوجهان إليه، طالبين منه أن يكف قليلاً عن الغناء· وعندما يشتد اندماجه بالموسيقى يقطع تدريباته الصوتية فجأة ليصيح بأعلى صوته: ''باستا''· معلناً نداء معدته فلقد حان موعد تناول معجنات ''الباستا'' الإيطالية المفضلة له· وعندما يقترب موعد الحفل بيوم واحد يدخل ''أندريا بوتشيللي'' في حالة صمت تام· ثم يأتي موعد الصعود على خشبة المسرح، فيخرج عن صمته ليدخل في حالة قلق وتوتر شديدين· فهو يعترف بأنه خجول جداً أمام جمهوره ولديه شعور بالرهبة من المسرح، لكن خوفه يأخذ في الذبول تدريجياً مع احتضان الجمهور لأولى أغنياته فينساب صوت التصفيق في أذنيه معلناً هزيمة الخوف واندحار الخجل·
مسيرة نجاح
يقول ''بوتشيللي'' إن الفرق بين الغناء الأوبرالي والكلاسيكي فرق كبير، فالأوبرالي تؤديه لجمهور بعيد عنك فترفع صوتك إلى أعلى مدى حتى تصل إليه، بينما الكلاسيكي فهو أشبه بالهمس في أذن طفل صغير· ولقد نجح ''أندريا بوتشيللي'' في أداء الاثنين· وذاع صيته وسط دوائر محترفي الموسيقى الكلاسيكية في أوائل التسعينات من القرن الماضي· فاستدعته ''كاترينا شوجر'' رئيسة إحدى شركات إنتاج الاسطوانات ليغني في حفل خاص عام ·1993 وأعجب الحاضرون بصوته فقررت أن تنتج له أغنية بصوته· وأدى نجاح هذه الأغنية إلى إطلاق أول ألبوم له بعنوان ''إل ماري كامري ديلا سيرا'' أي ليل البحر الهادئ· واستطاع من خلاله أن يشارك في أبرز مهرجان موسيقي في إيطاليا هو مهرجان ''سان ريمو''· وكما كان متوقعاً حصد ''بوتشيللي'' أعلى النقاط وفاز بجائزة أفضل موهبة لعام ·1994
وفي عام 1996 غنى أغنية ''كون تي بارتيرو'' وتعنى آن أوان الوداع· وهي الأغنية التي أوصلته إلى العالمية ودفعت بالمغنية الشهيرة ''ساره برايتمان'' لأن تشاركه الغناء في نسخة باللغة الإنجليزية، حققت مبيعاتها أرقاماً قياسية في معظم بلدان العالم واحتلت المرتبة الأولى في بورصة الأغاني· وفي العام نفسه صدر ألبومه الثاني ''رومانزا'' الذي احتل المرتبة الأولى· وتوالى إصدار الألبومات الغنائية حتى كان عام 1999 عندما تم ترشيحه لجائزة ''جرامي'' كأحسن مغن جديد ليصبح أصغر شخص يحصل على هذا الترشيح· وتم ترشيح أغنيته ''البحث عن كاميلوت'' التي شاركته أداءها المغنية الشهيرة ''سيلين ديون'' بجائزة أوسكار أحسن أغنية· وفي عام 2004 شارك في حفل توزيع جوائز نوبل للسلام· كما شارك في العديد من الحفلات العالمية لصالح ضحايا الحروب والمجاعات والأزمات الإنسانية· وشارك في العديد من المناسبات الرياضية البارزة منها مباريات كأس العالم التي أقيمت في إيطاليا عام 1990 ومباراة كل النجوم الأميركية والتي أقيمت في هيوستن بأميركا عام ·2006

اقرأ أيضا