تقارير

الاتحاد

التسامح الديني في إندونيسيا

يصل العنف ضد المسيحيين في إندونيسيا أحياناً كثيرة إلى عناوين الأخبار. إلا أن أعمال العنف هذه ينبغي ألا تبعد أنظارنا عن حقيقة أن الغالبية العظمى من الجاليات المسيحية في إندونيسيا تعيش وتمارس شعائرها الدينية بحرية دون خوف أو تدخل في دولة ذات غالبية مسلمة. إلا أن مستوى الحرية الدينية انحدر في السنوات القليلة الماضية. ولذا ينبغي أن تمتلك الحكومة الشجاعة لوقف هذا التوجه وحماية الأقليات الدينية الإندونيسية لتستمر في الدفاع عن حرية الاعتقاد.
وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2011، أحصى "منتدى جاكرتا للتواصل المسيحي" وحده 31 حادثة تدخّل في الكنائس المسيحية. وأحصى في عام 2010 السابق 47 حادثة مماثلة.
ومن المستحيل على ما يبدو في العديد من الأقاليم بناء كنائس جديدة، وعندما تحتفل الجاليات المسيحية بقداس يوم الأحد في أماكن غير مصرّح بها، فإنها تضطر أحياناً لوقفه تحت تهديدات العنف. وقد تحولت بعض هذه التهديدات المحفزة دينيّاً بالتأكيد إلى أحداث عنف.
وتبدو الحكومة على رغم نجاحها الكبير في محاربة الإرهاب مترددة أحياناً في اتخاذ إجراءات حازمة عندما يجري تهديد الأقليات. وعلى سبيل المثال، عندما قتل ثلاثة من أتباع الطائفة الأحمدية، في بلدة سيكيوسك، لم تتدخل الشرطة المحلية، وحصل المهاجمون فيما بعد على أحكام لا تتجاوز الثلاثة إلى سبعة أشهر في السجن.
ولمدة تزيد على السنة، تتعرض جالية مشيخية (Presbyterian) في بوغور بجاوا الغربية إلى التحرش من قبل جماعات غير مسيحية، خاصة أيام الأحد، لأنها اضطرت لإقامة صلواتها على رصيف الشارع بعد أن أغلق عمدة البلدة كنيستها. وعلى رغم أن المحكمة العليا في إندونيسيا أعلنت فيما بعد أن الإغلاق غير قانوني، تبقى الكنيسة مغلقة من قبل عمدة البلدة، الذي يخاف من وجهات نظر بعض الناخبين المسلمين في بلدته.
ويمثل ذلك تراجعاً في التسامح والنظام الاجتماعي. وفي الماضي كان يجري تبرير منع بناء الكنائس أحياناً بالجدل بأن هذه الكنائس تسعى لتحويل المسلمين عن دينهم. وكانت هذه الأقوال تجابَه أحياناً بالجدل والحوار، أو يتم حلها في المحاكم.
ولكن لم يعد الناس اليوم يأبهون بمبررات كهذه، ويقولون ببساطة إنهم لا يريدون كنيسة في حيهم. وفي الوقت نفسه، تقوم السلطات المحلية في العديد من الأماكن بسن قوانين محلية تعيق وتمنع بشكل إضافي نشاطات الأقليات الدينية، وكذلك حقوق فئات أخرى من المواطنين، وخاصة النساء. وتحتاج الحكومة لأن تعلن أن هناك مساحات -مثل الحرية الدينية وحقوق الإنسان- لا تقع تحت حكم السلطات المحلية، المعرضة لمصالح سياسية خلافية، ولكنها تدار وتتمتع بحماية الحكومة المركزية.
وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تحسّنت العلاقات بين المسيحيين ومسلمي التيار الرئيس بشكل متواصل. وفي حين كان المسيحيون قبل تلك الفترة ينزعون للنظر إلى الجيش للحماية عندما تبرز المشاكل، فإنهم يتحوّلون اليوم إلى "نهضة العلماء"، أكبر منظمة مسلمة في إندونيسيا، ليس فقط للحماية وإنما كذلك لكي يثبتوا أمام الجمهور أن علاقات الأديان على مستوى الجذور ما زالت قوية.
أما على مستوى القيادة فقد أصدر العديد من القادة الدينيين المعروفين من كافة الديانات في العاشر من يناير من هذه السنة بياناً مشتركاً ينتقدون فيه الحكومة لفشلها في تنفيذ وعودها التي قطعتها للجمهور. وتظهر التجربة الإندونيسية في هذا المجال أن الحفاظ على علاقات جيدة وتفاهم وتسامح هي أمور أساسية في بناء علاقات فضلى عبر الديانات.
ولكن، هل يواجه مسيحيو إندونيسيا إذن مستقبلاً أكثر تحديّاً؟ الراهن أن الحريات الدينية متأصّلة في الثقافة الإندونيسية وتتمتع باحترام إسلام التيار الرئيس. والتحسّن الملموس في العلاقات بين المسيحيين ومسلمي هذا التيـار خلال السنوات الخمس عشرة الماضية هو على الأرجح أقـوى ضمانـة لمستقبل التسامح الدينـي والنظـام الاجتماعـي فـي إندونيسيا.

فرانز ماغنس سوسينو
ناشط مدافع عن التعددية في إندونيسيا

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا