الاتحاد

الملحق الثقافي

شخصية محفوظ في روائح ماري كلير تشبهني

الحبيب السالمي: ذهبت إلى باريس هرباً

الحبيب السالمي: ذهبت إلى باريس هرباً

غادر القيروان، مدينته الأصل، عام ،1983 ليحل في باريس وفكره يعتمل بأحلام مجنحة، مثخنة برغبة الانصهار في المجرى الثقافي لمدينة النور، والتوق إلى سبر أسرارها، وركوب تيارات الحداثة التي كانت تزخر بها· آنذاك كان ميشال فوكو، سارتر، دولوز، لاكان، ليفي ستراوس، ألان روب غرييه، مارغريت ديراس، رولان بارت، فيليب سوليرز ···الخ· أسياد الخلق الفكري، النقدي والروائي· كانت نصوصهم الوقود الفكري الذي غذّي بحمية وباندفاع التناظر والكتابة، بل الثقافة في مختلف أوجهها· في هذا المناخ المفعم بحيوية السجال وجرأة الخلق، حقق الأدب المغاربي الفرنكوفوني، مع روائيين وشعراء أمثال كاتب ياسين، محمد ديب، ادريس الشرايبي، الطاهر بن جلون، محمد خير الدين ···الخ·


آختراقا لكاتالوج الناشرين الفرنسيين ولدى قراء الفرنسية· علماً بأن باريس عرفت في تلك الفترة مدّا ثقافيا وإعلاميا عربيا استحقت عليه لقب ''عاصمة الثقافة العربية''· في تلك الحقبة كانت تيمات الهجرة والاغتراب، الذاكرة، عنف الاستعمار، تحرر المرأة، الحريم وسواها، من بين المواضيع الثابتة والمكرورة في مجال الكتابة الروائية· في هذه الأجواء الثقافية الخصيبة حل إذاً حبيب السالمي لينهل من ثرائها ويساهم كصحفي، ومترجم ثم كروائي، في ديناميتها· وهو في تونس، كتب ''متاهة الرمل'' و''حفر دافئة''، لكن باريس كانت الحافز على توسيع الرؤيا وصقل التخييل من دون السقوط في المنحى الفولكلوري أو المعالجة السياسية الضيقة· بإدارته وتسييره لمجلة ''المقدمة'' وقف عند أهم المشاغل الثقافية التي اعتملت بها الحياة الثقافية عربيا وغربيا، الشيء الذي ساعده في التقشف في طرح القضايا ومعالجتها من دون بهرجة ولا ضجيج· لكن لم تغب عن فكره حميته الأولى والأساسية: الكتابة الروائية· بإصداره رواية ''جبل العنز''، وضع حبيب السالمي الحجر الأساس لعمل روائي أنجزت منه إلى اليوم بإحكام تقني وفني روايات قيّمة ترجم بعضها إلى العديد من اللغات الأجنبية، خصوصاً الفرنسية، الألمانية، الهولندية، والانجليزية· في ''جبل العنز''، التي قدمها الروائي جبرا إبرهيم جبرا (صدرت ترجمتها الفرنسية عن ''آكت سود'' عام 1999 في باريس)، مواجهة بين البراءة والشطط، بين معرفة المعلم وسلطة ممثل الحكومة الذي يسعى إلى ضرب سياج من حديد حول أنفاس سكان القرية البسطاء· ''جبل العنز''، هي أيضا فضاء مغلق مشبع بالعزلة، بالحقد ورغبة الانتقام· مررت الرواية من دون تكلف، بساطة الأبرياء وبطش الأقوياء· في رواية ''عشاق بية'' يرافق القارئ أربعة رجال عجزة، يلتقون كل يوم تحت شجرة زيتون عتيقة· يتلذذون بالشجار وبنفض غبار ذكرياتهم المثقوبة· تتحكم في إيقاع حياتهم اليومية الصلوات الخمس· ويوم تظهر بية، الأرملة الغاوية، بل المستفزة، ينقلب هذا الإيقاع، كما لو اندس الشيطان في رغباتهم وأحلامهم· وعليه، لن تبقى حياة العجزة ولا حياة القرية على ما كانت عليه من قبل· في ''ليلة الغريب''، بدل إطار القرية التونسية، ينقلنا السالمي إلى حجرة ضيقة في باريس، يجتر فيها شاب مهاجر أحلامه وهواجسه· يتصفح يوميته ليتذكر أسماء لأشخاص غلّفهم النسيان: حمودة، حضرية، سعاد، عادل· شخوص في وضع اقتلاع وانفصامية حادة· من المنفتح إلى المنغلق، من باريس إلى تونس، يعرض علينا حبيب السالمي في نبرة ساخرة أحيانا ومريرة في غالب الأحيان، شخوصا رهيفة، لكن بثراء إنساني بالغ· لم تستمله تيمات مثل صدمة المهجر، انشطارات الجسد، والانتمائية، كما هو مكرور في صنف مشهور من الرواية المغاربية، بل رافق من دون نوستالجيا في روايته الأخيرة، ''روائح ماري كلير'' الصادرة عن ''دار الآداب''، والتي تصدر السنة المقبلة بالإيطالية عن دار ''آينودي'' (ثالث رواية جعلت من باريس مسرح حوادثها)، قصة حب بين محفوظ، الدكتور في الآداب والعامل في أحد الفنادق الشعبية التي هي في حوزة جزائري، والشابة الفرنسية ماري كلير· بعد لقائهما الأول في أحد المقاهي، تتكرر اللقاءات في ما بعد لتسفر عن علاقة غرامية مشوبة بالانجذاب والعشق القوي· تأخذ ماري كلير، العاملة في البريد، أغراضها لتستقر في بيت محفوظ، ولتعيد ترتيبه على هواها· ثم تشرع في تربية محفوظ وتعليمه القواعد الأولية للآداب والتصرف في الحياة اليومية: النظافة، الأكل، ترتيب الأغراض الشخصية ···الخ· ثم تعلّمه أصناف الأزهار، أساليب التقبيل، وتركبه وراءها على دراجتها النارية، وتقتاده إلى علبة ليلية· بكلمة، تحاول تجريده من ريفيته لتجعل منه إنسانا متحضرا أو على الأقل مندمجا في نسيج المجتمع الفرنسي· يفي محفوظ بإخلاص لمتطلبات هذه الحياة الجديدة· ما إن ينهي عمله في الفندق حتى يهرع إلى البيت لاستقبال ماري كلير التي يشتهيها، بل يرغب في ''استهلاكها'' بلا كلل· لكن علاقتهما لم تنجح في مقاومة الحساسيات والأهواء الصبيانية· خلقا عالما طفوليا رهيفا لا مجال فيه للكلمة الإضافية أو للرأي المستقل· في احتكاكهما اليومي ثمة انصهار، لكن العواطف تتأكل على مهل، لتنمو مشاعر الغيرة بل الحقد بين محفوظ وماري كلير، وتطفو جراء هذه المجابهة ثقافة كل واحد بينهما: يتصالح هو مع تربيته الريفية، ومع الخمر للنسيان، فيما تنهج ماري كلير سلوكا أقرب إلى الانزواء بل الهرب· لا تنجح محاولات الترقيع والمصالحة في التقريب بينهما· فيما تغيب هي عن البيت لتنام في أحد الفنادق أو لدى صديقاتها، يتسكع هو في الشوارع حيث تقوده قدماه إلى ماخور في شارع السان دونيه، ليضاجع مومساً يعلو جبينها وشم يذكّره بوشم والدته· في أحد الأيام، تأخذ ماري كلير أغراضها وتغادر البيت نهائيا ليجد محفوظ نفسه في بيت فارغ، بارد، بلا طعم ولا روائح· البيت الذي كان رديفا للحياة، للنظام، وللدفء، أصبح بعد رحيل ماري كلير، مكانا مقفرا، بلا روح· ''المكان خالٍ وموحش الآن· لا شيء فيه سوى طبقة رقيقة جدا من الغبار لا تكاد تبين، وآثار تحزز خفيفة على الخشب خلّفتها الأصص الخزفية الثقيلة· فالنبتة الوحيدة التي تركتها لي ماري كلير بعد رحيلها أبعدتها عن النافذة قبل أن أضعها في ركن في الصالون في انتظار أن أجد الشجاعة الكافية للإلقاء بها في صندوق القمامة، إذ إني أدركت بسرعة أني عاجز عن رعاية مثل هذه الأشياء الحساسة لفترة طويلة''·
تخلق كتابة حبيب السالمي أجواء مغلقة، ووضعيات انسداد يتصاهر فيها العبث بالعزلة (''جبل العنز''، ''ليلة الغريب''، ''عشاق بية'')، السخرية بالدراما (''روائح ماري كلير'')، حيث يقترب القارئ من هشاشة البشر، بساطتهم، رغباتهم الجامحة، وإرادتهم في الاستبداد· ذلك كله من خلال صور متقشفة، وبناء سردي محكم، ومخيّل خصيب بتراث الطفولة والبلد الأم ثم لاحقا بتراث بلد التبني· عندما وصل حبيب السالمي إلى باريس، كان عمره 32 عاما (ازداد بالقيروان عام 1951)· منذ ذلك التاريخ انساب تحت نهر السين الكثير من المياه، أغنى فيها المكتبة التونسية والعربية بنصوص روائية ذات مستوى رفيع، تعتبر مستهلا لمشوار ينظر إليه حافلا بالعطاء والتميز·
؟ بينما كنت لا تزال في تونس، ما هو الحلم الذي راودك عندما فكرت في الرحيل إلى باريس· ولماذا هذه المدينة بالذات؟
؟؟ الشيء الوحيد الذي فكرت فيه عندما قررت الرحيل إلى باريس هو أن أهرب· كانت تونس تبدو لي آنذاك أضيق من خرم الإبرة· كانت البورقيبية قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة· كل الآفاق كانت مسدودة أمامي· وكان الوسط الأدبي والثقافي عموما رديئا لا يشجع على الكتابة والخلق· كنت ألتهب حماسة وطموحا مثل غالبية أبناء جيلي· بدأت أكتشف في تلك الفترة الأدب العالمي وأدب أميركا اللاتينية بالتحديد· أذكر أني قرأت بالفرنسية ''مئة عام من العزلة '' لغارثيا ماركيز في نسخة اشتريتها بسعر باهظ من مكتبة فرنكوفونية على الرغم من أنه لم يكن لديَّ آنذاك ما يكفي من النقود لشراء هذا النوع من الكتب· أعجبت بها إعجابا شديدا إلى درجة أني صرت أحفظ عن ظهر قلب الصفحة الأولى منها بعد القراءة الثانية· لماذا اخترت أن أرحل إلى باريس؟ الأمر كان بديهيا بالنسبة إليَّ وقتئذ، فلا رحلة إلا إلى باريس· لم ترد في ذهني أي مدينة أخرى، فباريس لم تكن واحدة من مدن العالم· باريس كانت المدينة· كانت في لاوعيي ولاوعي العديد من الكتّاب التونسيين المدينة التي لا بد من زيارتها، تماما مثلما كانت روما بالنسبة الى رسامي عصر النهضة وما بعده· الغريب أني لم أحببها في البداية· بل يمكن القول إني صدمت عندما وطئتها قدماي· بدت لي مدينة هرمة قديمة بل وكئيبة· في ما بعد اكتشفت عبقريتها شيئا فشيئا· أدركت أن أجمل ما في هذه المدينة هو قدرتها على أن تجدد فيك الحياة وعلى أن تجعلك تعيش اللحظة كما لو أنها أبدية·
بين الفرنسية والعربية
؟ بدل أن تكتب بالفرنسية، وهو شيء في متناولك، فضّلت الكتابة بالعربية، وفي غمرة المد الصحفي العربي في باريس أطلقت مجلة ثقافية كانت منتدى نقديا جيدا تلتقي فيه أقلام عربية ونصوص خلاّقين غربيين ترجمت نصوصهم إلى العربية· هل فكرت يوما في ترك الكتابة بالعربية والانتقال إلى الفرنسية؟
؟؟ لم أفكر يوما في ترك اللغة العربية· منذ أن ترجمت كتبي إلى الفرنسية وصرت ألتقي بالقراء الفرنسيين في الندوات التى أدعى إليها، كثيرا ما يُطرح عليَّ هذا السؤال· المثير في الأمر هو طريقة الطرح· لا يسألونني هل تفكر في الكتابة بالفرنسية كما فعلت أنت وهو سؤال بريء، بل لماذا تكتب بالعربية وهو سؤال يتضمن اتهاما كما لو أن الطبيعي أن أكتب بالفرنسية! أحب اللغة الفرنسية وأجدها جميلة وأقرأ بها كثيرا· غالبية الأدب العالمي قرأته بالفرنسية لأني لا أثق كثيرا بالمترجمين العرب· لكني أعشق اللغة العربية وأجدها رائعة وحديثة خلافا لما يروّجه بعض الكتّاب العرب الفرنكفونيين في فرنسا· الكتابة باللغة الفرنسية ليست قرارا عقلانيا· لا بد من أن أشعر برغبة قوية في ذلك· وإلى الآن لم أحس بمثل هذه الرغبة· إلى الآن أشعر أن العربية تمكنني من أن أقول ما أريد قوله وبالطريقة التي أشاء·
؟ ما نظرتك إلى الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية؟
؟؟ أحترم تجارب الكتّاب المغاربة المكتوبة بالفرنسية، وأقدّرها· إنها متفاوتة من حيث القيمة· هناك كتّاب كتبوا نصوصا على قدر كبير من الأهمية والعمق مثل المغربي محمد خير الدين والجزائري كاتب ياسين الذي أعتبر روايته ''نجمة'' من أروع ما كتب باللغة الفرنسية· وهناك كتّاب لا قيمة لهم على الرغم من أن بعضهم يحظى بشهرة واسعة في فرنسا وغيرها من البلدان الفرنكوفونية وتلقى نصوصهم إقبالا هائلا· إلا أني لا أعتبر الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية عربيا· إنه في رأيي جزء من الأدب الفرنسي· صحيح أن أصحابه مواطنون جزائريون ومغاربة وتونسيون، لكنهم ككتّاب هم فرنسيون· هوية الكاتب لا تحددها الجنسية وإنما اللغة التي يكتب بها· كونديرا مثلا كان كاتبا تشيكيا لأنه كان يكتب باللغة التشيكية· ولكن منذ أن بدأ يكتب بالفرنسية صار أيضا كاتبا فرنسيا· اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير وأداة تواصل كما يقول البعض· اللغة ليست محايدة· اللغة هي كل شيء تقريبا: تقولب التفكير والإحساس وطرائق التعبير وتوجهها· وبمجرد أن نختار لغة ما فإن كل شيء يتغير لأن اللغة تتضمن رؤية متكاملة للعالم وهي تحوي شبكة معقدة من القيم والمفاهيم والتصورات· أما اختيار مواضيع وثيمات عربية فلا يغيّر في الأمر شيئا·
حضور القرية
؟ في رواياتك تبقى القرية، وبالتحديد قريتك الأصل، الفضاء المسرحي النابض بامتياز، المعتمل بالحياة، بالأسى والأحلام، اللذيذ منها والمر· تبتعد عن هذا الفضاء لتعود إليه وكأنه جزء من جسدك·
؟؟ وكيف يمكنني أن أتحرر من هذا الفضاء وقد أمضيت فيه السبعة عشر عاما الأولى من طفولتي؟ إنها سنوات البراءة والأحلام اللذيذة والاكتشافات الكبرى· إنها أعوام التشكل والبدايات· لكن هذا الفضاء كان أيضا قاسيا وكئيبا، وأحيانا مرعبا· هناك الأب الذي لا يستطيع أن يعبّر عن حبه لك إلا بالطريقة الفظة لأنه يريدك أن تكون رجلا· هناك الأم الصامتة دائما التي لا تعرف كيف تحميك· وهناك أيضا خوف وجوع وغبار وقيظ وعقارب··· وعقارب··· وعقارب·
؟ ما مكانة النوستالجيا في كتابتك؟
؟؟ أحب الذاكرة· أحب إيقاعها المخاتل· أحب ثقوبها وفراغاتها ومراوغاتها· أحب اللعب بها ومعها وداخلها· لكن بقدر ما أحب الذاكرة، أكره النوستالجيا· عندما نكتب عن الماضي نواجه فخا خطيرا اسمه النوستالجيا· لذلك ينبغي أن نضاعف من حذرنا لكيلا نسقط في هذا الفخ· النوستالجيا تشوّه النص لأنها تفسد علاقتنا بالماضي فيبدو غير طبيعي· الذاكرة هي أيضا تعدّل وتغيّر كما يقول بورخيس· لكن تغيير الذاكرة لا يشوّه الماضي ولا يضفي عليه هالة من القداسة وإنما يجعلنا نراه بطريقة مختلفة مما يمنحه كثافة ويزيد في ثرائه·
··والمرأة
؟ للمرأة في رواياتك حضور قوي ومكثف· تعرض لها بورتريهات أخاذة يبدو من خلالها أو خلف مرآتها الرجل أشبه بطفل غير ناضج· أحد مقوّمات بنائك الروائي هو الصراع في العلاقات بين الرجل والمرأة· يتخذ هذا الصراع أحيانا شكل غواية وأحيانا أخرى شكل مجابهة·
؟؟ حضور المرأة القوي والمكثف في رواياتي ليس سوى انعكاس لحضورها في الحياة· لا أسعى إلى أن أضخم دورها أو أوليها مكانة مهمة بدافع ايديولوجي· كل ما في الأمر أني أعبّر عن هذا الدور وهذه المكانة كما أراهما في الحياة· لقد أشار أكثر من ناقد إلى حضور المرأة القوي والإيجابي في رواياتي، حتى أن البعض اعتبرني نصيرا للمرأة· الحقيقة أني أحب النساء وأحب مخالطتهن· أحب طريقتهن في مقاربة أشياء الحياة وأجدهن أكثر ذكاء في التعامل معها· أما الصراع في العلاقات بين الرجل والمرأة فإنه يثير اهتمامي باستمرار لأنه يساعدنا كثيرا في فهم أنفسنا· لا شيء في رأيي يكشف عن حقيقة الرجل وعن حقيقة المرأة مثل هذا الصراع·
؟ رواية ''روائح ماري كلير'' وهي آخر أعمالك، تعقد الصلة مع باريس لتقدم الى القارئ حكاية محفوظ وماري كلير في علاقة غرام وتجاذب قبل الافتراق، نتعرف من خلالها الى التعارض بل المجابهة بين ثقافتين وسيكولوجيتين· عن أي شيء يبحث المغاربي عندما يقيم علاقة مع أوروبية، وتحديدا مع امرأة فرنسية؟ ثم هل هذا يعني أن العلاقة بين عربي وفرنسية محكومة بالفشل؟
؟؟ يبحث عن نفسه كما في كل علاقة حب مع أي امرأة· في الحب تنتفي الفوارق لأن الحب أكبر من الفوارق· في الحب تلتقي ذاتان مدفوعتان بحمّى جارفة تنتابهما لا ندري لا مصدرها ولا كيف يمكن السيطرة عليها أو التخفيف منها· محفوظ لم يختر أن يحب لأن الحب ليس اختيارا· كما أنه لم يختر امرأة فرنسية· كان من الممكن أن يحب تونسية أو مغربية أو كندية أو بلجيكية أو يابانية· وباريس تتيح له ذلك فهي مدينة كوزموبوليتية· باريس مملكة الأعراق واللغات· باريس مدينة النساء والحب· هل أن العلاقة بين عربي وفرنسية محكومة بالفشل؟ طبعا لا، ففشل العلاقة بين محفوظ وماري كلير لا يعني إلا هذه العلاقة· هناك علاقات كثيرة ناجحة بين عرب وفرنسيات بل وبين عربيات وفرنسيين· ثم إن الفشل في حد ذاته في علاقة حب لا يقلل من أهمية هذا الحب· الحب ليس كالزواج، فهو في طبعه لا يدوم كثيرا·
تسرب السيرة
؟ ما نصيب السيرة الذاتية في هذا العمل الروائي؟
؟؟ أعتقد أن ذات الكاتب تتسرب دائما إلى العمل حتى ولو لم يُرد الكاتب ذلك، لأن الكتابة عملية غامضة لا نستطيع أن نتحكم فيها وأن نمسك بكل خيوطها، وهنا تكمن في رأيي خصوصيتها وروعتها· أنا موجود بشكل ما في كل رواياتي حتى في تلك التي تبدو عوالمها بعيدة عن حياتي مثل ''عشاق بية'' التي أقارب فيها عالم شيوخ يعيشون على حافة الحياة· يمكنني أن أقول إذاً إن محفوظ الشخصية الرئيسية في ''روائح ماري كلير'' يشبهني إلى حد ما· إنه خليط عجيب مني ومن آخرين عرفتهم أو تخيلتهم· ماري كلير هي أيضا شخصية مركبة من نساء عرفتهن وأخريات تخيلتهن· إن بناء شخصية ما من ركام من التفاصيل الواقعية والخيالية هو من أهم ما يثيرني في الكتابة لأنه صعب وجميل في الآن ذاته·
؟ نحس بأنك أمسكت بخيط الحبكة لجذبه إلى نهاية الرواية· ما المدة التي استغرقتها كتابة هذا النص؟
؟؟ أمضيت ثلاثة أعوام تقريبا في كتابتها وهي المدة التي تستغرقها عادة كتابة رواية لديَّ· لكن فكرة الرواية كانت تراودني منذ فترة طويلة· كان في استطاعتي أن أكتبها في وقت أقصر· لكني لم أشأ أن أتسرع· أردت أن أخصص لها ما يكفي من الوقت لتكون كما أريدها أن تكون· كنت أدرك منذ البداية أن الأمر ليس سهلا لأنه خلافا لما يتصور البعض ليس هناك ما هو أصعب من الكتابة عن الحب، خصوصا إذا كان هذا الحب بين شخصين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين· على كل حال، أنا لست ممن يمكن أن نسميهم كتّاب الدفق الأول· إيقاعي في الكتابة بطيء وهذا يناسب مزاجي وطقوسي· أفكر طويلا حين أكتب ولا أحب الاستسلام كثيرا لما يحضر بسهولة· بل أخشى أحيانا الأشياء التي تأتيني بسرعة· الكتابة بالنسبة اليَّ هي عملية قنص تحتاج إلى الكثير من الانتظار والصبر والتواضع· إنها ممتعة ومرهقة في الآن ذاته· ولكن هذا لا يعني أنني لا أترك للتلقائية أيّ مكان في هذه العملية· لا بد من إيجاد معادلة بين التلقائية والصرامة· وهذا ما يجعل الكتابة أمرا صعبا· إنها محاولة لتربيع الدائرة، كما يقول الفرنسيون·
محفوظ وماري
؟ محفوظ إنسان محافظ، وشديد الحساسية، فيما ماري كلير امرأة متحررة تحتفي بجسدها، تعلمه أوليات الحياة: أصناف الأزهار، أسرار الكباريه، السبل الإيروسية· ألا يعود سبب فراقهما إلى ما سماه ''شهوته إلى اللحم العربي''؟
؟؟ لا أظن أن علاقة حب عميقة كتلك التي ربطت بين محفوظ وماري كلير يمكن أن تنتهي بمجرد شهوة محفوظ للحم العربي· لقد انتهت علاقتهما لأنه كان لا بد في وقت ما أن تنتهي· رتابة الحياة اليومية وكل ما يتخللها من مشكلات هي أكبر خطر يتهدد الحب· إن ما يطيل العلاقة بين الرجل والمرأة هو في غالب الأحيان الزواج أو حب ''مدروس وعقلاني'' كما يقال· محفوظ وماري كلير لم يكونا متزوجين ولم يفكرا إطلاقا في ذلك· ثم إن ماري كلير ليست من هؤلاء النساء اللاتي يقبلن بفكرة الحب العقلاني·
؟ على الرغم من التربية الجنسية واليومية (من تعليمه تمييز أصناف الأزهار إلى تعليمه التقبيل) بقي محفوظ ريفي الطبع والطباع· هل هذا يعني أن العربي يبقى دائما عربيا على الرغم من إقامته في باريس وتجنسه بالجنسية الفرنسية ولبسه لقشرة الحداثة؟
؟؟ لا أظن أن محفوظ بقي ريفي الطبع والطباع· صحيح أنه ظل وفيا لأصوله ومتمسكا ببعض قيم الفضاء الذي نشأ فيه، وهي على أي حال قيم إنسانية كبرى نجدها في كل المجتمعات، لكن محفوظ تغير كثيرا أيضا في العديد من المجالات خصوصا في تعامله مع المرأة· إنه واع تماما بهذا التغيير، وهو سعيد به، وقد أشار إلى ذلك في مواضع عديدة من الرواية· لقد كان إيجابيا ومنفتحا ومتسامحا إلى حد بعيد وتعلّم الكثير من ماري كلير كما تعلمت هي أيضا منه الكثير· أما أن العربي يبقى دائما عربيا بعلى الرغم من إقامته في باريس وتجنسه بالجنسية الفرنسية فهذا بالنسبة اليَّ أمر طبيعي· وما العيب في ذلك؟ المشكلة ليست في أن يبقى عربيا وإنما في ألا يتطور وألا يتعلم وألا ينفتح على الآخرين وعلى ثقافاتهم، والأخطر من ذلك أن يسجن نفسه داخل ثقافته وأن يتمسك تمسكا تقليديا بمفاهيم ماضوية عن هذه الثقافة كما نرى لدى بعض العرب الذين يكرهون الغرب· محفوظ أبعد ما يكون عن هؤلاء· فبقدر ما هو معجب مثلا بالشعراء الصعاليك المغمورين الذين يرى فيهم متمردين على مجتمعاتهم، يحب الرسامين الأوروبيين الذين يعلّق صورا للوحاتهم على جدران شقته· الحداثة بالنسبة إليه ليست قشرة وإنما هي قيمة يتبناها عن وعي تام· إن العرب أمثال محفوظ كثيرون في أوساط المثقفين والمتعلمين بل ويمكن القول إنهم يمثلون الجزء الأعظم منهم

اقرأ أيضا