أرشيف دنيا

الاتحاد

أعمال «البيئة الشامية» تكتسح المشهد الدرامي السوري

لقطة من أحد المسلسلات السورية

لقطة من أحد المسلسلات السورية

تواجه الدراما السورية هذا العام أكبر تحد لها منذ بداية تألقها وانطلاقها في أوائل التسعينيات، وهي التي بنت أمجادها على جرأة أعمالها الاجتماعية، وخوضها في المحظور والمسكوت عنه، وتجاوز الخطوط الحمراء. واليوم تتضافر عوامل عديدة ولدتها الأزمة التي تعيشها سوريا، لتدفع باتجاه إعادة ترتيب الأوراق، والوقوف على مستقبل هذه الدراما واتجاهاتها.
تردد وحذر
الأزمة التي تعيشها سوريا حالياً تنعكس على صناعة الدراما التلفزيونية في بعدين، الأول مشكلة إنتاجية وتمويلية، فعدد كبير من المنتجين مترددين في الإقدام على الإنتاج، خوفاً من تراجع التسويق، في ظل الأوضاع التي تعيشها سوريا والعالم العربي عموماً، والتي تجعل المحطات الفضائية والمشاهد أيضاً منصرفين إلى نتائج وتأثيرات الأحداث الجارية على حياة المواطن العربي. لكن القضية الأهم التي تواجه هذه الدراما اليوم هي مسألة الموضوعات المطروحة، حيث تجاوزت الأصوات المطالبة بالإصلاح كل القضايا التي كانت تطرحها الدراما التلفزيونية في السنوات السابقة، وهذا يتطلب قفزة كبيرة في الطروحات، كما يحتاج إلى قراءة تواكب الواقع المتغير في الشوارع العربية، وإلا، فإن المشاهد سينصرف عن هذه الأعمال، لأنه سيبحث عما يساعده على التحليل والفهم لما يجري على الأرض.
في الصدراة
لهذه الأسباب كلها تبدو الدراما الشامية في مقدمة الأعمال التي بادر المنتجون والمخرجون إلى إقرارها في خطة الإنتاج القادمة، فهي أولاً مضمونة التسويق، لأن معظم المحطات العربية تطلبها بإلحاح في رمضان، ولها شعبية واسعة بين المشاهدين، وثانياً لأن تكاليفها الإنتاجية أقل من الأعمال الأخرى، ولاسيما أن هناك الكثير من الديكورات الجاهزة لتصويرها تراكمت عبر السنوات الماضية، بالإضافة إلى مواقع التصوير الحية في دمشق القديمة، وتوفر الاكسسوارات والملابس لدى الشركات المنتجة من أعمال سابقة. كما أن هذه الأعمال ليست مضطرة للخوض في تفاصيل الواقع ومناقشة تداعيات ما يحدث في الشارع، فهي أعمال تراثية فولكلورية تروي حكاية تتداخل فيها معطيات التاريخ القريب مع الخيال، وبالتالي فإن طبيعتها تجعلها بعيدة عن المأزق الذي يواجه الأعمال المعاصرة.
باب الحارة
وهكذا كانت المفاجأة في إمكانية عودة مسلسل (باب الحارة) في جزأين سادس وسابع، بعد أن أعلن المخرج بسام الملا السنة الماضية إغلاق باب الحارة نهائياً وعدم رغبته في تقديم أجزاء جديدة منه. وتجري حالياً مشاورات مع بعض أبطال هذا العمل ومنهم الفنان عباس النوري للعودة إليه. وقال النوري لـ (الاتحاد) إنه تلقى عرضاً للمشاركة في العمل، لكنه حتى الآن لم يوقع أي عقد مع الشركة المنتجة، ويضيف: إن الموضوع ما يزال قيد الدراسة والبحث، حتى يخرج الجزآن السادس والسابع من (باب الحارة) بأبهى صورة، ويحققان نقلة نوعية عما حققه هذا العمل الجماهيري في أجزائه الخمسة السابقة. وأثنى النوري على الرؤية الفنية للمخرج بسام الملا، واصفاً أعماله بأنها تركز على الجوانب الأخلاقية والقيم والتقاليد الأصيلة المتوارثة، بالإضافة إلى البصمة الإخراجية المميزة له، ولهذا السبب فإنها تلقى شعبية واسعة بين الجمهور.
الشركة المنتجة للعمل مازالت تتكتم عن التفاصيل، ولم يُعرف بعد من هم الممثلون المشاركون في العمل، وما إذا كان المخرج بسام الملا سيقوم بإخراج العمل أم سيشرف عليه ويترك الإخراج لشقيقه مؤمن الملا، أما مصير الجزء الثاني من مسلسل (الزعيم) الذي قدمه الشقيقان في العام الماضي فما زال غامضاً، وأغلب الظن أنه لن يرى النور هذا العام، بحضور (باب الحارة). وإلى جانب مسلسل (باب الحارة) هناك مجموعة أعمال شامية أخرى يجري الإعداد لها خلال هذا الموسم، منها مسلسل بعنوان (خاتون) للكاتب طلال مارديني ينتجه الفنان قصي خولي، وآخر بعنوان (بنت الشهبندر) للكاتب هوزان عكو تنتجه شركة (عاج)، وثالث بعنوان (خوابي الشام) للكاتب قصي الأسدي وإخراج تامر إسحق. بالإضافة إلى أجزاء جديدة من مسلسلات قديمة كالجزء الثاني من (رجال العز) والجزء الثالث من (الدبور). وهناك أيضاً مسلسل بعنوان (طوق البنات) للسيناريست أحمد حامد، صاحب الباع الطويل في هذا الميدان، والذي قال لـ «الاتحاد»: تجري أحداث مسلسلي الجديد خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا، من خلال قصة ضابط فرنسي يأتي إلى سوريا ليقمع الثورة ضد الاحتلال، فيجد نفسه في مواجه فتاة اسمها مريم تناضل من أجل تحرير والدها من قبضة الفرنسيين، فيقع في غرامها، ويتحول موقفه تجاه الثوار، بعد أن يتعرف على القيم الحضارية للشعب السوري، فيساعد والدها على الخروج من السجن، ثم يشهر إسلامه ويتزوجها. ويضيف حامد: هذا النوع من الأعمال له شعبية واسعة بين الجمهور، وعلينا ألا نتجاهل ذلك، وإنما أن نعمل على تطويره للارتقاء بالجوانب الفكرية والفنية على حد سواء، وهذا الشكل الفني لا يلغي الأشكال الأخرى، بل يحقق معها حالة من التنوع للدراما السورية.
فسحة للتفاؤل
ومع أن التنوع مطلوب في الدراما التلفزيونية، إلا أن القلق بين أوساط المنتجين يزداد، لاختلال ميزان هذا التنوع لصالح الأعمال الشامية، مما سيجعل هذه الأعمال في منافسة شديدة مع بعضها البعض من الناحية التسويقية، وهو ما قد يضر بالجميع. ويقول الفنان مصطفى الخاني، إنه يأمل أن يتم التنسيق بين المنتجين السوريين، لكي لا يدخلوا في منافسة مع بعضهم البعض، ويضمنوا التنويع في أعمالهم، فالدراما السورية كانت دائماً على صلة مع الواقع، وهو ما حقق لها النجاح والجماهيرية، ولذلك لا يتوقع أن تبتعد هذه الدراما عن مناقشة القضايا الحياتية والاجتماعية، رغم ما ينذر به هذا الموسم من تراجع في عدد الأعمال المعاصرة. ويعول الخاني على الأيام القادمة، وعلى جرأة الكتاب والمنتجين السوريين في تقديم موضوعات جديدة، تتجاوز الطروحات السابقة وتحقق نقلة نوعية فكرياً وفنياً.
ربما من حق الفنان الخاني أن يتفاءل، لأن الدراما السورية اعتادت دائماً أن تصل متأخرة، ففي كل عام تتضاعف الأعمال الدرامية السورية بشكل لافت مع اقتراب شهر رمضان، وكثير من المخرجين وشركات الإنتاج يبدؤون تصوير أعمالهم قبل رمضان بعدة أشهر فقط، مما يفتح الباب للقول: إن الإنتاج الدرامي السوري مازال أمامه هذا العام فسحة لا بأس بها لتحقيق التنوع ومضاعفة الإنتاج.

اقرأ أيضا