أرشيف دنيا

الاتحاد

عبدالله المطيري: الإمارات شريان التجارة في الخليج العربي

عبدالله المطيري

عبدالله المطيري

المكانة الاقتصادية التي حظيت بها دولة الإمارات لم تكن سوى امتداد طبيعي لماض ٍ تجاري عريق، جسدها التجار الأوائل الذين تغلبوا على ضنك العيش وقهروا الصعاب حتى حققوا مكانة اقتصادية رائدة بين دول المنطقة والأقاليم المجاورة، حتى غدت المنطقة حلقة وصل بين الشرق والغرب، ومع تطور القطاع الاقتصادي في الدولة إثر قيام الاتحاد تغيرت العملة المستخدمة وأصدرت عملة خاصة بالإمارات لتبطل استخدام العملات القديمة كالدينار البحريني وعملة قطر ودبي.

استعرض عبدالله المطيري، مستشار المواقع التراثية، والمدير التنفيذي لقطاع المواقع التراثية بالإنابة عضو الجمعية الملكية البريطانية للمنمنمات، والباحث في مجال التراث العربي والإسلامي وخبير المسكوكات الإسلامية، التطور التاريخي للحركة التجارية في دولة الإمارات وما رافقه من تطور العملة المتداولة.
حلقة وصل
حول منظومة الحركة التجارية والاقتصادية في الإمارات في مرحلة ما قبل النفط، والعملات المتداولة أثناء فترة الاتحاد، يقول المطيري “تعتبر الإمارات حلقة وصل في الحركة التجارية ونظام الترانزيت بين كل من البصرة وفارس والقارة الهندية والشرق الأفريقي، أيضا كانت تربط الإمارات علاقات تجارية من جهة البر فكانت المنطقة عبارة عن محطة للقوافل التجارية، وملتقى للتجارة والتجار منذ القدم”، مشيرا إلى أن الإمارات هي الشريان الرئيس للحركة التجارية في منطقة الخليج العربي، حيث كانت تأتي السفن من البصرة محملة بالتمور، وتقوم بإنزالها في موانئ الإمارات ثم يعاد تصديرها إلى القرن الإفريقي والهند وباكستان، كما يتم جلب البهارات والحبوب من هذه الدول إلى أسواق الإمارات ثم يعاد تصديرها على الدول المجاورة في الخليج.
وعن تجارة اللؤلؤ، يقول المطيري “الإمارات من الدول الرائدة لتجمع تجار اللؤلؤ (الطواويش) ففي موسم الغوص يفد إلى الإمارات أكثر من عشرين إلى ثلاثين من تجار الهند الذين يعملون في تجارة اللؤلؤ بالشراء من الأسواق المحلية يقوموان أيضا بعملية تصديرها إلى الدول الأوروبية”. ويضيف “الإمارات سبقت العديد من الدول في أن تجعل وسيطا للتجارة في أوروبا فنجد أن حميد بن كامل من الشارقة قد لعب دور الوسيط فترة طويلة بين تجار فرنسا وتجار الإمارات، في عملية تسويق اللؤلؤ الخليجي، أيضا نشأت لدينا أسواق تخصصية في منطقة دبي منها سوق للمواد الغذائية، وسوق الأواني، وسوق الأعشاب، وسوق المناظر التي تضم الكماليات ومواد الزينة، وسوق المطارح المختصة للمفروشات، وسوق الذهب، وسوق خاص يعرف بسوق التمر، فنحن شهدنا وجود المراكز التجارية في تلك الحقبة الزمنية، وما نلمسه اليوم من حركة تجارية وتعاملات، ما هو إلا امتداد لماضي تجاري عريق”. ويتابع “الإمارات كانت ملتقى للحركة التجارية في الماضي، ففي العصر العباسي المتأخر انشؤوا سوقا في دبي تحديدا في منطقة جميرا ويعود إلى القرن الرابع الهجري، كما يعد سوق دبا أحد أهم الأسواق العربية في العصر الجاهلي والإسلامي الذي لا يقل أهمية عن سوق عكاظ وسوق اليمامة وغيرهما من الأسواق القديمة”.
مؤشر صريح
يشير المطيري إلى أنه في سنة 1961 كانت ترتبط الإمارات بتبادل تجاري مع العديد من الدول حيث تم تجاوز منطقة الشرق الوسط والدول الأسيوية ووصلوا إلى دول أوروبا وكذلك الأميركتين هذا الاتساع في الحركة التجارية كان مؤشرا صريحا على تعمق تجار الخليج وخبرتهم في منظومة العمل التجاري. أيضا الأسواق التي أنشئت في بومباي في الثلاثينيات والأربعينيات كان رواد مؤسسيها من الإمارات، فأصبح التاجر الإماراتي منافسا للتاجر الهندي في عقر داره، وأيضا حكمة شيوخ الإمارات الذي كان لهم دور ريادي في دعم وتأييد ومناصرة التجار المحليين، فعندما انهارت تجارة اللؤلؤ وعم الكساد لجأ الكثير من الناس الذين يعملون في محال اللؤلؤ إلى البحث عن بديل ما دفعهم ذلك إلى البحث عن عمل في بعض الدول المجاورة، ولكن أبى حكام الإمارات أن يتغرب أبناؤها ويعملوا في وظائف دون المستوى، ما تطلب منهم أن يفكروا في مشاريع تجارية أخرى حيث حولوا محاملهم وسيلة لنقل البضائع والتجارة، وكان هناك دعم مادي ومعنوي من كل الشيوخ.
وعن أسلوب التعاملات التجارية المتمثلة في أنواع العملات التي تم تداولها من قبل تجار الإمارات، يوضح المطيري “استخدم تجار الإمارات عملات جديدة ومختلفة لم تكن معروفة من قبل فتم التعامل بالريال النمساوي المعروف بالريال الفرنسي، أو ريال الملكة تريزا منذ سنة 1790، والذي يحمل صورة الملكة ماريا تريزا ملكة فرنسا على أحد وجهيه أما الوجه الآخر فيحمل الشعار النمساوي وهو عبارة عن نسرين يتوسطهما العلم النمساوي. ونظرا للنشاط المتطور والمتزايد للتجارة في المنطقة وقرب السواحل الفارسية من الإمارات كان من الطبيعي دخول العملة الفارسية إلى الإمارات وتداولها بين التجار مع البضاعة التي يستوردونها ويبيعونها بالأسواق فتم تداول الوحدات الصغيرة من العملة الفارسية”.
ويتابع “مع انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924 وانحسار مناطق نفوذها في المنطقة، تلاشى استخدام العملات الإسلامية والعثمانية من منطقة الخليج والإمارات. ودخلت الإمارات تحت الانتداب البريطاني وأصبحت إحدى مناطق نفوذها وتم التوسع في حركة التجارة بين المستعمرات البريطانية وخاصة بين الإمارات والهند، وزادت التعاملات التجارية بازدهار صناعة استخراج اللؤلؤ في الإمارات، حيث كان أبناء الإمارات يبيعون حصيلة هذه الصناعة في الأسواق الهندية كأداة تبادل تجاري في المعاملات فيما بينهم، ما ساعد على انتشار الروبية الهندية في المنطقة بوحداتها المختلفة في الفترة ما بين 1830 و1853 فتم تبادل الروبيات الفضية عام 1880 والتي تحمل الإمبراطورة فيكتوريا”.
عملات المنطقة
يقول المطيري، الذي يقتني ما يزيد عن ثلاثة عشر ألفا من المسكوكات “تم التعامل بالعملة الهندية الروبية في المنطقة حتى بعد استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية سنة 1947، حيث تم تداولها حتى سنة 1958 حتى أعلنت الهند عن إصدارها عملة خاصة بمنطقة الخليج، وتم إصدار الروبية الخليجية، بنفس مواصفات الروبية الهندية وبنفس سعر الصرف فيما كان الاختلاف في لون الورق المستعمل، وكانت الروبية الهندية ذات ورق أزرق، أما الروبية الخليجية فتمت طباعتها على ورق أحمر”. ويزيد “نظرا لانخفاض قيمة الروبية سنة 1966، والأضرار المادية التي سببها الانخفاض لدى تجار الإمارات والمنطقة ارتأت الإمارات عدم التعامل بهذه العملة ومحاولة إصدار عملة خاصة بها أو التعامل بإحدى العملات الموجودة في المنطقة.
وتم التعامل بالريال السعودي وأجزاء من النقد المعدني البحريني في الفترة من 116 إلى 189 1966، ومن ثم قامت إمارتا قطر ودبي بإصدار عملة مشتركة خاصة بهما وذلك بعد تجربة الكويت والبحرين، حيث كانت الكويت أول الدول في الخليج التي أنشأت نظاما نقديا مستقلا سنة 1961 عندما أصدرت الدينار الكويتي ليحل محل الروبية، ولحقت بها البحرين سنة 1965 حيث أصدرت الدينار البحريني.
ووقعت كل من قطر ودبي في 21مارس 1966 الاتفاقية المعروفة باتفاقية العملة لقطر ودبي وتم بموجبها إصدار ريال قطر ودبي، ولفترة مؤقتة تم الاتفاق بين الإمارتين على إحلال الريال السعودي محل الروبية في تعاملاتهم والتبادل داخل الإمارتين، وذلك لحين الانتهاء من إصدار ريال قطر ودبي، وكان الوجه يتضمن صورة غزال أشهر حيوانات المنطقة أما الوجه الآخر فيتضمن قيمتها بالعربية وأسفل القيمة جاء اسم قطر ودبي باللغة الإنجليزية، وتم إصدار الريال بثلاث فئات فئة الخمسين درهما، والخمسة والعشرين وفئة العشرة دراهم والتي صنعت من النحاس الأحمر والذي تم تداوله في قطر ودبي الإمارات الشمالية حتى قيام الاتحاد وإصدار عملة الدرهم”.
ويقول “قام مجلس نقد قطر ودبي بإصدار أربع فئات من الأوراق النقدية هي فئة الريال وخمسة ريالات وعشرة ريالات والمائة ريال. وكانت لإمارة أبوظبي أيضا إجراءاتها بالتحول إلى استخدام الدينار البحريني كعملة يتم تداولها في تعاملاتها، حيث إن دولة البحرين قامت بإصدار عملتها الخاصة بها في عام 1965 وتولى البنك الشرقي المحدود في أبوظبي إصدار العملة للبنوك العاملة في أبوظبي. وقد أصبحت العملتان مقبولتين في جميع الإمارات السبع، إلا أن الدينار البحريني كان أكثر تداولا في إمارة أبوظبي، بينما يغلب استخدام عملة قطر ودبي في الإمارات الأخرى”.
ويؤكد المطيري أنه مع قيام اتحاد الإمارات السبع تحت مسمى دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر سنة 1971 تم الاستمرار بالتعامل مع الدينار البحريني حتى تاريخ 1973، وكذلك الأمر لعملة قطر ودبي حيث تم تأسيس مجلس النقد بنفس التاريخ وذلك انتظارا لإصدار العملة الوطنية وطرحها في السوق للتداول وقد تم إصدار الدرهم بوصفه العملة الرئيسية لدولة الإمارات في سنة 1973. والذي تم التعامل معها وإحلالها محل العملات السابقة المتعامل معها في الإمارات وهما الدينار البحريني، وعملة قطر ودبي.

اقرأ أيضا