الاتحاد

تقارير

محاربة الفساد على الطريقة الأفغانية

مؤسسات المجتمع المدني تدرب الأفغان على مكافحة الفساد

مؤسسات المجتمع المدني تدرب الأفغان على مكافحة الفساد

هنا في هذه القرية النائية، الواقعة وسط جبال شمال أفغانستان الوعرة، تقدم رجل بخطوات حذرة إلى الأمام أثناء اجتماع عمومي في القرية، وخاطب أعيانها المجتمعين قائلا: ''لماذا أنفقتم كل هذه الأموال على الإسمنت''· كانت هذه هي المرة الأولى التي يناقش فيها هذا الرجل سلطة الأعيان على هذا النحو من الوضوح والصراحة والعلنية· وتجاوباً مع سؤاله فتح بعض هؤلاء الأعيان سجلا، وراحوا يقلّبون في صفحاته، قبل أن يجيب أحدهم قائلا: ''السبب هو أن هذا الإسمنت من نوعية جيدة للغاية، وأن السعر الذي اشتريناه به هو الأفضل مقارنة بغيره من الأنواع''·
ويتراجع السائل، ويجلس مرة ثانية في مكانه وسط باقي القرويين وقد ظهرت على وجهه علامات الاقتناع بالإجابة· وهذه المناقشة السلسة، هي مجرد نموذج للمناقشات التي يتم تبادلها عادة في الاجتماعات المماثلة التي يجب على الموظفين العموميين أثناءها تبرير الطريقة التي يستخدمون بها الأموال العامة· وتلك الاجتماعات بدورها جزء من برنامج رائد لتعزيز مبدأ المساءلة في دولة تأتي في المرتبة الخامسة في قائمة أكثر دول العالم فساداً، التي تعدها منظمة ''الشفافية العالمية'' وهي منظمة رقابية منوط بها مراقبة ورصد وقائع الفساد في العالم· ومشكلة الفساد في أفغانستان تمتد من بعض كبار المسؤولين في الدولة إلى أعيان القرى، وهي مشكلة تؤجج مشاعر الغضب ضد الحكومة، وتساهم في تعزيز الدعم الذي يحصل عليه المتمردون ضدها·
ووفقاً للبرنامج المذكور، يعالج سكان القرى المدربون على أيدي منظمة دولية غير ربحية الفساد على المستوى المحلي، وذلك من خلال ''هيئات مراجعة اجتماعية''· وهؤلاء القرويون يجتمعون للتفتيش على دفاتر ''مجالس الشورى'' المنتخبة التي تشرف على العديد من القرى، وتستلم مخصصات مالية من الحكومة، ومن المنظمات غير الحكومية، لتنفيذ مشروعات تنموية·
وفي هذا السياق تقول إحدى القرويات وتدعى ''رحيمة'': ''هذه أول مرة نشعر فيهــــا أن لدينـــا نوعاً من السيطـــرة على حياتنـــا بعد أن أصبح بإمكاننا أخيراً محاسبة زعمائنا''·
وتقول قروية أخرى تدعى ''بيجوم'': ''كان الشيء المعتاد من قبل هو أن تحصل مجالس الشورى على النقود وبعد ذلك لا نعرف ماذا فعلوا بها ولا كيف أنفقوها''! و''بيجوم'' تشير إلى الممارسة السائدة في كثير من المناطق، وهي استلام تلك المجالس أموالا من الحكومة لتنفيذ برامج تنمية، لتتبخر تلك الأموال بعد ذلك دون إتمام البرامج المنشودة·
وللمساعدة على بناء قدرة الأفغان على التعامل مع هذه المشكلة، طرحت ''شبكة آغا خان للتنمية'' فكرة ''مجالس المراجعة الاجتماعية'' والمقصود بها المراجعة الحسابية لدفاتر ''مجالس القرى'' التي يبلغ عددها المئات· ويقول ''سوجيت ساركار'' رئيس برنامج الحكم المحلي التابع لشبكة آغا خان للتنمية: ''إن هذه العملية شديدة الأهمية بالنسبة لمسألة جلب نمط من الديمقراطية النشطة إلى أفغانستان''· ويشار في هذا السياق إلى أن مجالس الشورى، قد استلمت منحاً مالية لمرة واحدة من الحكومة لتنفيذ مشروعات التنمية، وأن ''مجالس المراجعة الاجتماعية'' قد عقدت اجتماعاً واحداً فقط حتى الآن في كل قرية من القرى المشاركة في البرنامج·
وهنا في مجلس المراجعة الخاص بقرية ''كالان جازار'' تجمع القرويون لتقييم عملية تنفيذ المولِّد المائي الصغير الذي يولد الطاقة من مياه النهر القريب لتزويد القرية بالكهرباء، وللمساعدة على إدارة برنامج لتدريب نساء القرية على مهنة الخياطة والتطريز· وخلال الجلسة ناقشت ''لجنة المراجعة'' جودة المواد المستخدمة في المشروع، كما قابلت العمال المشاركين في تنفيذه للتأكد من أنهم قد حصلوا على أجورهم، ثم سافر أعضاؤها في رحلة شاقة إلى العاصمة الإقليمية لمقابلة التجار، للتأكد من أن أسعارهم تتطابق مع الأسعار الواردة في كشف المصروفات الفعلية المقدم من ''مجلس الشورى''· وفي الاجتماع العمومي، قدمت اللجنة أرقاماً تفصيلية عن مصاريف مجلس الشورى· وبعد انتهائها من ذلك، بدأ القرويون يتقدمون إلى حيث يجلس أعضاء مجلس الشورى ويناقشون أعضاءه في كافة التفاصيل· وقد تنوعت الأسئلة المقدمة ما بين الفنية مثل ''كم كيلو من الصلب تم استخدامها؟''، إلى الاجتماعية مثل ''لماذا لا تنفذون المزيد من المشروعات التي تخدم النساء؟''· وبالنسبة للقرويين كانت هذه هي المرة الأولى في حياتهم التي يسائلون فيها السلطة، أو يواجهون المسؤولين المنتخبين·
ولأن مجلس المراجعة الاجتماعي الذي عقد في هذه القرية لم يعثر على مخالفات خطيرة، وافق بالتالي معظم السكان على ما جاء في كشف المصروفات الذي قدمه مجلس الشورى· بيد أن الأمور لا تمضي على هذا النحو دائماً: ففي إحدى القرى على سبيل المثال وجدت اللجنة أن مجلس الشورى قد أنفق 1000 دولار على شراء ''كباب'' وهو ما فجر أسئلة غاضبة· وفي مرة أخرى كشف مجلس المراجعة عن رحلة قام بها أعضاء مجلس الشورى المحلي إلى العاصمة كابول ونزلوا أثناءها في فندق فاخر دفعوا تكلفة الإقامة فيه من الأموال العمومية· ولم يرق هذا السلوك بالطبع لأعضاء مجلس المراجعة الذين اقترحوا على أعضاء الشورى النزول مستقبلا في فنادق متواضعة إذا ما استدعت الظروف سفرهم إلى العاصمة·
ويقول ''جون دمبسي'' الخبير القانوني لدى ''معهد الولايات المتحدة للسلام'' وهو مركز دراسات وبحوث، إن برنامج المراجعة الاجتماعية سيلعب دوراً رئيسياً في بناء الديمقراطية الحديثة في أفغانستان بشرط أن يعمل على تطبيق أساليب محاسبة للحكومة أكثر تطوراً· ويقول المنخرطون في البرنامج إنه على رغم النجاحات التي حققها إلا أنـــه لا يزال يواجه بعض الانتقادات، ومنها أن معظم المشروعات التي يشرف عليها تقع في المناطق الشمالية الهادئة ولم تمتد إلى مناطق الجنوب المضطربة وغير المستقرة· بيد أن السيدة ''فرزانة'' وهي عضوة لجنة المراجعة في قريـــة كـــالان جـــازار، ترى أن ذلـــك لا يقلل من شأن البرنامج، وأنه قد أدى المطلوب منه·

أناند جوبال - أفغانستان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا