الاتحاد

تقارير

رفع العقوبات··· أداة لحفز الاقتصاد الأميركي

رفع العقوبات··· أداة لحفز الاقتصاد الأميركي

رفع العقوبات··· أداة لحفز الاقتصاد الأميركي

في وقت تمر فيه الولايات المتحدة الأميركية بأسوأ أزمة اقتصادية تشهدها منذ الكساد العظيم، لماذا تصر الحكومة الأميركية على أن تبقى على التزامها بأن تكون أكثر حكومات العالم استخداماً لأداة فرض العقوبات الاقتصادية على الدول التي تعاديها؟ بالنظر إلى سوء الأوضاع الاقتصادية التي تواجهها البلاد، والوعد الذي قطعه أوباما على نفسه بتحسين صورة أميركا خارجياً، فقد أصبح لزاماً على واشنطن إعادة تقييم سياسات فرض العقوبات التي تتبعها· ومن خلال البحث الذي أجريته حول الاستجابة الدولية لفرض العقوبات الاقتصادية من جانب واشنطن، كنت قد توصلت إلى اكتشافات مذهلة بشأن التأثيرات التي تحدثها هذه العقوبات على العلاقات التجارية للدولة المعاقبة ببقية دول العالم الأخرى· وأثناء دراستي لما يزيد على 100 حالة من الحالات التي فرضت فيها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية على الدول خلال الفترة الممتدة بين 1950-2000 لاحظت أن حلفاء أميركا واصلوا استغلالهم المستمر للفرص التي تخلقها لهم سياسات فرض العقوبات، مع العلم أن الحلفاء قد وظفوا تلك الفرص دائماً لمصلحة بلدانهم·
ومن أهم ما لاحظته أن حلفاء أميركا كثيراً ما عززوا علاقاتهــــم التجاريـــة مع الدولة التي عاقبتها الولايات المتجدة بفرض عقوبات اقتصادية عليها، أكثر مما يعززون العلاقات نفسها مع أي دولة أخرى· ويعود جزء من تفسير هذه الظاهرة، إلى استخدام الدول الحليفة لأميركا، تحالفها هذا غطاء سياسياً لتجنيب شركاتها أي ردات فعل أميركية غاضبة عليها· بعبارة أخرى يفهم من سياسات فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية هذه على الدول المعنية بها، أنها سياسات تسهم في دعم اقتصادات حلفاء واشنطن، على حساب الاقتصاد الأميركي·
وليس من مثال أفضل لتوضيح هذه الحقيقة من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أميركا على كل من كوبا وإيران· فقد أرغمت العقوبات التي تفرضها واشنطن على طهران، شركات النفط الأميركية على التعامل التجاري مع دول أخرى، أو التوقف عن نشاطها الاستثماري تماماً، ما يعني تسليمه لشركات نفطية أجنبية· وليس مصادفة أن نقلت شركة ''هاليبرتون'' الأميركية مقرها الرئيسي إلى دبي منذ عام ،2007 فلم تنقل هذه الشركة مقرها الرئيسي إلا لأنها اكتشفت أنه أكثر ربحية لها أن تدير استثماراتها في دبي، مقارنة بإدارتها في الولايات المتحدة الأميركية· وفيما لو لم تسمح الحكومة الأميركية لشركاتنا بالقيام باستثماراتها على أساس ربحي، فماذا نتوقع من هذه الشركات غير أن تغادر إلى دول أخرى؟ كما نعلم فإن الربحية وليست النزعة الوطنية هي التي تبقي على استدامة الشركات وبقائها في النظام الرأسمالي· هذا في المستوى النظري على الأقــــل· وفي وقـــت يزداد فيــــه الغضب العام على منح المكافآت المالية الكبيرة لشركاتنا الخاسرة، فإنه ليس من المنطق ولا الإنصاف أن تجبر الحكومة الأميركية شركاتنا الناجحة الرابحة على مغادرة الأراضـــــي الأميركيــــــــة·
وفي حالة العقوبات التي ظلت تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على كوبا طوال العقود الخمسة الماضية، فإن الملاحظ أن أكبر حليفاتها مثل كندا واليابان وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا لعبت دوراً كبيراً في التخفيف عن العقوبات المفروضة على كوبا، بالإنابة عنها· بل إن السبب الرئيسي الذي جعل من حلفاء أميركا دولا تنافسية في كوبا نفسها، هو غياب أميركا من المشهد التجاري الاستثماري في الجزيرة· لكن وما أن أتيحت الفرصة لدخول الولايات المتحدة إلى الحلبة التنافسية التجارية هناك، حتى جاءت النتائج باهرة جداً· فبعد أن أصدر الكونجرس تشريعاً برفع معظم العقوبات المفروضة على تصدير الأغذية والأدوية إلى كوبا في عام ،2000 ارتفعت عائدات أميركا التجارية من تصدير هذه المنتجات إلى كوبا، من 6 ملايين دولار في عام ،2000 إلى حوالي 350 مليون دولار بحلول عام ·2006
والسؤال: كم من الوظائف الجديدة التي يمكن إنشاؤها فيما لو عادت الشركات الأميركية للتعامل التجاري الكامل مع كوبا؟ فبعد ما يقارب الخمسين عاماً الماضية، فشلت العقوبات الأميركية المفروضة على كوبا في تحقيق هدف تغيير النظام الذي فرضت من أجله، في حين خسرت شركاتنا مليارات الدولارات بسبب الفرص الاستثمارية المهدرة هناك· فبدلا من هذه السياسات الفاشلة التي لا يتجاوز أثرها المعنى الرمزي لا أكثر، في تعبير واشنطن عن موقفها من الدول التي تفرض عليها العقوبات، تعين على واشنطن الآن أن تتبنى سياسات أكثر براجماتية وأخذاً بحاجاتها الاستثمارية التجارية، بحيث يهدي هذا النهج الجديد سياساتها التجارية الخارجية·
من المثير للاهتمام هنا أن أعضاء الكونجرس الذين شرعوا أحكام Buy Americaَ الذي فتح الطريق أمام خطة الحفز الاقتصادي التي تبناها الرئيس أوباما مؤخراً، هم أنفسهم من سبق لهم أن شاركوا في تشريع قانون Helms-Burton لعام 1996 وهو القانون الذي أبقى على استمرار العقوبات المفروضة على كوبا· وطالما أن الكونجرس قادر على التصويت لصالح قانون ''شراء أميركا'' فما الذي يمنعه من التصويت لصالح تشريع ''بيع أميركا''؟ والحقيقة هي أن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها واشنطن على الدول، تكلف الأميركيين وظائف كثيرة ثمينة·
ومــــع مجـــيء إدارة جديــــدة، ومواجهـــة بلادنا لإحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية، فإن هناك فرصة فريدة لتجــــاوز عقبة أصحاب المصالح الخاصــــة الذين تتطـــلب مصالحهم الإبقاء على العقوبات التي تفرضها بلادنا على دول مثل كوبا وإيران، بما يفتح الطريق أمام تطور إيجابي لسياسات تجارتنا الخارجية، ويخدم اقتصادنا القومي·

برايان آر· إيرلي
زميل باحث بـ مبادرة دبي في مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية بمدرسة كنيدي التابعة لجامعة هارفارد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا