صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مُتونُ الماء

لا يذكر الغوص إلا ويذكر معه اللؤلؤ؛ فهو أصل التجارة في الماضي والحاضر لأهل الخليج، والتي أثرت بشكل عميق في الحضارة الخليجية، واكتسبنا منها جميع العادات التي ترسخت في حياتنا، كما أنها باتت تمثل حقبة مهمة من الزمن، وركناً أساسياً لتدوين أدب وتراث أهل الخليج منذ عهود مبكرة، وارتكزت عليها حكايات أجدادنا التي ترويها أفلامنا ومسلسلاتنا وتحكي لنا كيف كان أجدادنا هم القادة والغواصون في نفس الوقت ومدى التعاون والتكاتف الإيجابي بينهم، وكيف حافظوا على هذه المهنة التي انتقلت من جيل إلى جيل حتى وصلت إلينا بجميع تفاصيلها وآليات نجاحها، كما أنها تراث مهم في الحضارة الخليجية والذي يستخدم في المهرجانات والمعارض الدولية والمحلية التي تحمل الهوية الخليجية.

كانت مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ أولى المهن التي مارسها أهالي الساحل، بجانب صيد الأسماك، إذ كانت تعتبر عصب الحياة بالنسبة لهم، لكن مع ظهور النفط تضاءلت تجارة اللؤلؤ إلى أن انتهت كلياً، وأصبح كل ما يتعلق بها من ذكريات الذين عاشوا في الماضي الكثير من الظروف الحياتية الصعبة والشاقة، وكانوا يتدبرون أمر معيشتهم من تجارة اللؤلؤ، حيث اعتمد معظم أهل الساحل عليها اعتماداً كبيراً، وكان البحر كريماً معهم وأعطاهم الخير الوفير في وقت الحاجة والعوز.

قصائد الغوص
خلد المواطن الإماراتي هذه الحرفة، حرفة الغوص بقصائد شعرية خالدة، من ذلك ما نراه من سعادة الشاعر وإصراره على إكمال رحلة العوم والغوص، وأداته في ذلك الصبر والعزيمة، يقول:
خلوني في حالة العوم
وين ايخليني الطير مرباه
أصبر عن الخلان ماروم
والحب أسقــــم بلاياه
ليتني بالحب مفطــوم
هل كيت بصبر على مزاياه

كما برز كثير من الشعراء الإماراتيين الذين خلّدوا الغوص بأشعارهم وقصائدهم، منهم الشاعر محمد بن راشد المطروشي، وهو من مواليد مدينة الشارقة، وقد كان مبدعاً في شعر الغوص ووصف متاعبه وقسوة ظروفه ومعاناته، لكنها برأيه معاناة محبوبة، لارتباطها بالجذور والأصالة، ومن طرائفه قصيدة وصف فيها مهاجمة الفئران لسفينة البحارة وهم متجهون إلى الغوص، وقرضها للحبال ومهاجمتها المؤونة والطعام، وهو ما انعكس سلباً على سير الرحلة.
وهناك مصطلحات كثيرة تواكب عملية الغوص ورحلته، وقد خلد الشعراء تلك المصطلحات في قصائد عديدة ومنوعة، منها الشلة: وهو مصطلح يطلق على أول يوم يخرج فيه أسطول السفن، والبحارة متجهين نحو الهيرات، باحثين عن المحار لصيد اللؤلؤ، ويسمى مصطلح الشلة أيضاً بالركبة، ويكون فيه الاستعداد من قبل جميع البحارة للتوجه إلى الصعود على السفن، ويقابلهم على الطرف الآخر من الشاطئ الناس وأهالي البحارة، حيث يقومون بتوديعهم. وفي ذلك يقول الشاعر داوود الجراح، واصفاً أماكن الغوص، الهيرات:

لا حالة المشعاب تسلي خاطري
عن حالة الأحباب في الأوطان
كلا ولا في الغوص عارض
يوسف كلا ولا قمرة ولا البلداني
بأبي عصية كنت أعصي عذلي
يا نوخذة نحو النواسع ساني

وهنا، ذكر الشاعر بعض الهيرات ومغاصات اللؤلؤ في الكويت، وهي: عارض يوسف، قمرة، البلداني، أبو عصية، النواسع.
ووصف الشعراء البحارة المشاركين في رحلة الغوص على اختلاف مهامهم ووظائفهم وأهميتهم، من ذلك وصف الشاعر للنوخذة بقوله:

النوخذة يأمر بالإنصاف
ويقول يا مالي غدوبه
قوموا غوصوا يا ملاعين
هذا جزاة اللي ماخذينه

ووثق الشعراء أيضاً المصاعب التي كانت تتعرض لها السفينة للغرق أو الأمواج العاتية، من ذلك مثلاً ما قاله الشاعر سيف الزبادي من إمارة أم القيوين، حين وصف تعرض سفينته للغرق ليلاً، حيث نراه يصف الليلة المظلمة والممطرة، والرياح الشديدة العاصفة، وكيف أنه خاطر وعاد بصعوبة سابحاً إلى اليابسة، يقول:

يا ونتي ونــــات مكسور
ونت لذي لاحم على حد

طبعه ظلام ومايه اقصور
عاصوف من العيوق مشتد
أبرحت حاير ما معي شـور
ضاع فكري كيف بـارد
واخر سبحت اب شوف لبرور
ولروح ساقتني إلى النـد

ويقول شاعر آخر واصفاً معاناة ربان تعرضت سفينته لرياح عاتيه جعلتها تتمايل أمام قوتها:
بدعي عسى أن الغربي يهون
تسلم خشبنا م المراماه
شح ومنه الزاد مكنـون
ما بين يزواهم معايـــاه
النوخذة يرقص ومينون
والعلم عند الرب يولاه

أيضاً واكب الشعر المراحل الغوصية (الغوص الكبير، غوص الردة، غوص الرديدة)، وصوّر مخاطرها ومصاعبها وعقباتها، ولعلنا نورد مثالاً على ذلك فيما قاله الشاعر يعقوب الحاتمي، حين صور حيوان الدول، وهو حيوان خطير جداً، لشدة سمّيته:
دول والمايه شرى الحنا
والبحر ما نقدر انغوصـه
ألسنه كافــر بيمحنا
يايب لنا السم في عقوصه

وصف شعراء الغوص أنواع السفن في قصائد شعرية بارعة، وقفوا فيها على مميزات هذه الأنواع وقدراتها، من ذلك مثلاً قول الشاعر راشد بن محمد بن حسين الشعالي، يصف سفينة اسمها المعدي، وهي من نوع السنبوك:
قالوا سنبوك وصل البلاد
والحمد لله رب أنجاه
القلب فرح وبش لفـؤاد
نهار ما صبح وشفناه
النوخذة أمر بالعتــاد
وتعاقدوا بالحال يزواه
من كالكوت يسير بسناد
ينقل ولا يحاتي بتوزاه
وفي أوقات الغوص ومواسمه يقول الشاعر راشد سعد الكواري:
يا الله يا علاّم الأسـرار
ياللي عباد له يصلون
يا منجي إبراهيم م النار
يا منجي م الكرب ذا النون
أدعوك وأذرع بالأسحـار
رحمتك بين الكاف والنون
أوني أقول الغيص مكّار
يكذب وفيه الجن م أيون

إلا أن هذا لا يعني أن شعراء الغوص كانوا يصفون المعاناة والمصائب والكوارث والمراحل والأوقات والسفن في رحلة الغوص فحسب، بل نجد بعضهم يواكب رحلة الغوص بأشعار في الغزل والحب، من ذلك ما نجده لدى الشاعر خلفان بن يدعوه، وهو من مواليد إمارة دبي، حيث يصور أنه لا يعبأ بالبحر ومصاعبه وأهواله، وعمق مياه، ولا من شدة البرد، وإنما الذي يهمه ويقضّ مضجعه، هو الشوق للحبيب، يقول:
واحسرتي ضاق الفضا بي
يوم أبعدوني عن حبيبي
ايلومني لي ما درا بـي
لني من الفرقا صويبــي
ما همني غوص ولا بي
برد ولا غزر الغبيبـي

كما وصف الشعراء اللؤلؤ وأنواعه بقصائد شعرية خالدة، لعلنا نذكر منها، قول الشاعر سعد بن جبران الونده، وهو من قبيلة العوازم:
الغوص ما ني مشتهي روحته
مكني المجحود مما جرالي
الوسم والمرباع والصيف كله
من هم يد الهير مازاد حالي
لا بد من هير موافق يدلــه
في الخشب مثل الدبش بالمثالي
حدره صناديق الحصابي تشله
غاصة حادية حلال الرجالي

ألغاز شعرية
من الأمور التي تركها الغوص في التراث والأدب الخليجي عموماً والإماراتي خصوصاً، استخدام الألغاز الشعرية، والتي كانت محط تنافس بين البحارة والغواصين، من ذلك مثلاً قول الشاعر راشد بن محمد بن حسين الشعالي، يصف قول أحد الغاصة لزميله السيب، الذي يشرف عليه وهو في الأعماق:
شرتا يغث الغيص والسيب
يالذيب عطني فسّر معناه
هو الذي لا في من مغيب
ولاف لي لافي من الياه
الحيـن بيصوب تصويب
بيبين حال الغيص وقصاه
هكذا كان الغوص ركناً أساسياً من حياة الإنسان الخليجي عموماً، والإماراتي خصوصاً، بل وجزءاً من عاداته وتقاليده وتراثه، فهو لم يكن مجرد عمل للكسب والارتقاء بالاقتصاد، بل مهنة تراثية احترفوها، وكان ديدنهم فيها البحث عن اللؤلؤ وهو من أهم الجواهر وأثمنها، ولذلك حاز على اهتمامهم وشغل فكرهم، وأشعل جذوة خيالهم، فأبدعوا قصائد خالدة عكست حقيقة مهمة وهي أن الغوص ورحلاته لم تكن لتنعكس على الجانب الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل انعكست على النتاج الثقافي والتراثي والأدبي، ومع أن اللؤلؤ مورد اقتصادي مهم، لكنه أيضاً ولكونه - من الجواهر الثمينة التي تجذب الأرواح والعقول- بوابة لعالم خاص يحلّق فيه الخيال، وتصاغ عنه الأشعار الخالدة والقصص والحكايا المتنوعة التي تعبر في مجموعها عن جماله وأهميته، وهو ما تجلى في نتاج ثقافي، فكري وشعري خالد، ترك أثره الواضح والبارز في تراثنا العربي الخليجي عموماً والإماراتي خصوصاً، أثرٌ حقق فيه مبدعوه المقولة النقدية، الرسم بالكلمات.

من طرائف المطروشي
من طرائف شعر الشاعر محمد بن راشد المطروشي، قصيدة وصف فيها مهاجمة الفئران لسفينة، وهم متجهون إلى الغوص، وقرضها للحبال ومهاجمتها المؤونة والطعام، وهو ما انعكس سلباً على سير الرحلة، يقول:

يا الفار وش يابك من الدار
اركبت معنا في السفينة
قال يا هيه بخبرك بسرار
باخبرك بقصا الجنينة
قصيت خيط الفرخ يالضار
ومن البصل لا ضاخرينه
البصل وايد غيره اقشار
عيش وتمر ويا طحينه.