صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الأمثال الشعبية الإماراتية لسان البحر.. وميراثه

ليست الأمثال الشعبية البحرية مجرد كلمات قالها الأجداد وعبارات ماضية مرّ عليها الزمن وتعاقبت عليها الدهور، وحملها الأبناء والأحفاد وتناقلوها، بل هي مرآة تجسّد حكايات البحر الخالدة، حكايات صيغت فصولها بأروع معاني التضحية لأجداد وآباء عاركوا أمواج البحر وأهواله ولججه، ساعين من خلال ذلك إلى كسب الرزق والبحث عن لقمة العيش، باذلين جهودهم المضنية، متحملين حرارة الشمس ووهجها، وقساوة الظروف البحرية وتقلباتها.

كان للبحر دورٌ مهمٌ ومباشر في حياة الإنسان الإماراتي، وذلك على الصعيد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، فقد كان اهتمام الإنسان الإماراتي وخصوصاً الذين عاشوا قريباً منه منصبّاً على الأعمال البحرية، سواء أكانت أعمال غوص للبحث عن اللؤلؤ، أو صيد الأسماك، أو الإبحار إلى البلاد المجاورة بغرض الأعمال التجارية. ونتيجة لذلك نشأت علاقة وطيدة بين أبناء الإمارات والبحر.. علاقة امتدت جذورها منذ القدم، فتعلقت أرواحهم بالبحر والشاطئ تعلقاً كبيراً، وهو ما انعكس في صورة أمثال شعبية بحرية، أخذت تشيع وتنتشر، وتتوارث جيلاً بعد جيل.

تجسيد لعوالم البحر
من يتتبع الأمثال الشعبية البحرية يلمح وبوضوح ارتباط الإنسان الإماراتي بالبحر، والعلاقة الحميمية بينهما، وهي العلاقة التي تأخذ أبعاداً وجودية وحضارية وتاريخية عميقة، فالظروف حين تعاند الإنسان ويقف عاجزاً أمامها، نراه يعكسها في صورة مثل شعبي بحري، يقول: «إذا كان هواك من الصدر كيف تعلي».. والصدر هو مقدمة المركب، وتعلي يعني تندفع نحو الأمام، والمقصود هنا، أن الظروف إذا اجتمعت على الإنسان فإنها تمنعه من تحقيق ما يريده.
وليس من باب المبالغة أن نقول إن الإنسان الإماراتي يمثل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية للبحر، والعلاقة فيما بينهما علاقة جدلية تجلت في كثير من محطات حياته التي تلونت بزرقة مياهه، فنشأت لديه عادات وطقوس وتقاليد اجتماعية وثقافية وإبداعية متنوعة، من ذلك، مثلاً، تأكيدهم على أن الشيء له قيمة مهما كان نوعه عند الضرورة، وعند الحاجة إليه، يقول: «الشيص في الغبة حلو».
والغبة هي البحر العميق وهو يقصد هنا عمق البحر، والشيص هو الرطب وهو نبات مر الطعم في أوله، ولكنه ذو قيمة وأهمية في البحر، فالبحارة يكونون محرومين منه في رحلاتهم الطويلة.
والمثل الشعبي البحري يقدم رؤية معمّقة حول مفردات البحر وتجلياتها في البيئة البحرية من ذلك مثلاً ربطهم مقدمة السفينة ومؤخرتها، بمقدمة الكتابة والخاتمة، فلكل شيء في الحياة بداية ونهاية، وهذا ربط فلسفي عميق، يقول: «اللي ماله صدر ماله تفر». والصدر مقدمة المركب، والتفر مؤخرته، فلكل بداية نهاية ولا يمكن غير ذلك. والمثل الشعبي البحري يمثل سلوك مجتمع البيئة البحرية، ولذلك نرى معظم أبناء البحر في العالم تتداول الأمثال البحرية في أحاديثها اليومية، فهي بمثابة رواية، وحكاية تحكي آدابهم وقيمهم التي نقلوها عن أسلافهم، ويعدّ الشعب الإماراتي من تلك الشعوب التي تقطن على سواحل جميلة وذات جغرافية اقتصادية وميزات فريدة، وهذا يدل وبوضوح على أن الأمثال الشعبية البحرية انعكاس واضح للحياة البحرية والملاحية.

«غَزَل» الأمثال
يلحظ المتتبع للأمثلة الشعبية البحرية أنها كانت تحتوي على الغزل ولكنه غزل من نوع خاص، غزل بالبحر ومفرداته والسفن وأنواعها، والغوص وأدواته، ولعلنا نذكر منها، قولهم: «وش لك بالبحر وأهواله وأرزاق الله على السيف». ويعبر هذا المثل عن القناعة والرضا بما قسم الله تعالى لهم، وضرورة الابتعاد عن الطمع، ووضع النفس في مخاطر جمة سعياً وراء الرزق في عمق البحر.
ويرجح أن هذا المثل قد شاع في النصف الثاني من القرن الماضي، في الفترة التي بدأ فيها النفط بالظهور، ونشطت عملية استخراجه، فاتجه معظم الناس للعمل في حقول النفط والصناعات النفطية، بينما بقي آخرون متمسكين بالبحر والغوص والصيد، رغم ما فيه من خطورة ومشقة وعناء، فكان هذا المثل.

«غوص» الأمثال
لا يمكننا أن نغفل العلاقة الوثيقة للمثل البحري بالغوص خصوصاً، لأن رحلة الغوص لدى أهالي الإمارات تمثل قصة أزلية ورحلة عشق لا لأنثى، بل للبحر وأسراره ومغامراته، ولعلنا نورد مثالاً عن أمثلة البحر المتعلقة بالغوص، في قولهم: «عليك بأوله يا شوله، أفلح من باع أول الموسم»، ويمثل هذا المثل فكرة مهمة، وهي تمجيد المهارة والذكاء في ما يخص تجارة اللؤلؤ، فالمتعاملون في هذه التجارة يحبذون السرعة في بيع اللؤلؤ، وتجنب التأخير والتردد، ويقال هذا المثل لحث وإقناع ملاك ونواخذة السفن للإسراع في بيع اللآلئ بمجرد وصولهم للبر، أو في أقرب مكان يتم فيه عرضها على التجار، والمراد من المثل أنه يجب على الإنسان أن ينتهز الفرص القائمة والمتاحة أمامه قبل أن تمضي وتضيع.
ومن أمثال الغوص الأخرى، قولهم: «قيس قبل ما تغيص»، ويقصد بهذا المثل ضرورة التعرّف إلى عمق البحر، ومعرفة مجاهيله ومخاطره، قبل الغوص فيه، فالبحارة يعرفون عمق مغاصات وهيرات الغوص، ويصنفون لآلئها حسب عمق كل منها.
ومن الأمثلة الشعبية البحرية أيضاً قولهم: «الغوص قطعة من جهنم». وقولهم: «الغوص غص بريجه لو فيه روبيات»، وكلاهما يعنيان أن الغوص ليس أمراً سهلاً بل هو همّ وغصة ولو كان مصدراً للروبيات، ويقصد بها المال.
ومن الأمثال أيضاً، قولهم: «حصباه فيها دقة»، والحصباه اللؤلؤة الكبيرة ودقة أي ضربة أو خدش، سببه وجود نتوءات على سطح اللؤلؤة، وهو ما يشوه اللؤلؤة الكبيرة، ويجعل ثمنها ضئيلاً، فلو لم يكن فيها هذا العيب لكانت اللؤلؤة ذات قيمة عالية، ويقال المثل عندما يكون إنسان محبوباً من الجميع، وله قبول طيب في المجتمع، ومع ذلك يحمل صفة ذميمة، تطغى على تلك الصفات الحميدة كلها.
ومن الأمثال أيضاً، قولهم: «السكران ينبر عن رأسه»، والسكران صفة تطلق على الشخص الذي يغطس في الماء وينقطع نفسه وينبر، أي يحرك الحبل المتصل بالسيب وهو الشخص الموكل إليه جرّه من الأعماق عند انتهاء عملية البحث عن المحار، والتي تستغرق نحو ثلاث دقائق، والمراد هنا أن الإنسان يشعر بمشكلته أكثر من غيره، ويتصرف وفق الظروف التي تواجهه.
ومن الأمثال الشعبية البحرية المتعلقة بالغوص أيضاً قولهم: «البحر خمسة والبلد خمسة»، والبلد هو الأداة التي يقاس بها عمق البحر، وهو عبارة عن قطعة من الحبل مربوط في نهايتها خشب أو رصاص، والمفروض أن يكون طول حبل البلد كافياً لقياس أي عمق، فإذا كان طول البلد مساوياً لعمق البحر، فإنه يصعب معرفة قياس عمق بحر، وهذا المثل يقال في حالة كون ما يحصل عليه المرء من دخل لا يكاد يسمح بتوفير أي جزء منه، كذلك فإن المثل يستعمل للدلالة على ضيق ذات اليد.
ومنها أيضاً قولهم: «اللي ما يقيس قبل لا يغوص ما ينفعه الغوص عقب الغرق»، والمقصود به، أن الإنسان الذي لا يحسب عمق البحر، ولا يقدر المسافة قبل أن يغوص فيه لابد أن يغرق وعندها لن ينتفع بما جمعه من لآلئ الغوص، ولعل للمثل معنى ضمنياً غير مباشر، وهو أن الشخص الذي يقتحم الأخطار ولا يحسب لها حساباً، ولا يقدر الأمور حق تقديرها فهو هالك لا محالة، ويكون ممن يرمي بيديه إلى التهلكة.

«سفن» الأمثال
ولا تقتصر الأمثال الشعبية البحرية على الغوص فحسب، بل نجد أمثالاً تناولت مهنة صناعة السفن، والتي تسمى الجلافة، يقولون: «لا يغرك حمر حيابة، ترى ليحانه شريش»، والمعنى: لا يغرك أي لا يخدعك، وحمر حيابة، جسد السفينة ويكون أحمر اللون، والشريش أخشاب رديئة النوع ورخيصة الثمن، ولعل المقصود هنا سفينة المحمل، وهي سفينة كبيرة، تدهن باللون الأحمر لتبدو جديدة لامعة تشبه الأخشاب الثمينة تماماً، ولكن موج البحر كان دائماً الحكم الأول والفيصل، وهذا المثل يقال لوصف الأشياء التي تبدو ثمينة وجميلة المظهر؛ لكنها في الحقيقة رخيصة ورديئة.
ومن الأمثال أيضاً قولهم: «مسمر مع الماية، ومسمر المركب»، والمقصود به من يسير مع التيار دون هدف، والماية المقصود بها أمواج البحر، وهو يطلق على الشخص الذي يمشي على طريق أو درب لا يعرفه، مثله مثل المركب يسير مع التيار دون شراع.
ومن الأمثال الشعبية البحرية أيضاً التي قيلت عن السفن وأنواعها، قولهم: «كل هوا وله شراع»، والهوا يعني الهواء، والمقصود به الرياح، فالسفن تستعمل أشرعة مختلفة الأحجام، بما يتناسب وسرعة الريح، والمعنى أن كل موقف له أسلوب معين يتماشى مع طبيعته، وهو ينطبق مع القاعدة النقدية: لكل مقام مقال.
والأمثال الشعبية البحرية كثيرة ومتنوعة، ولعلنا في هذه الدراسة وقفنا على نماذج منها، والتي آثرنا فيها التنوع كي نرسم صورة واضحة لأهمية الأمثال الشعبية البحرية، ودورها الكبير والمباشر، في رسم صورة متكاملة ومتناسقة للتراث الشعبي الإماراتي، والأدب والفكر الذي حمله أبناؤه، فالأمثال الشعبية البحرية، ليست مجرد أمثال تتناقلها الألسن، بل هي إرث فكري حضاري ثقافي.

«شنيوب غرق جمل»
يقال في المثل الشعبي «شنيوب غرق جمل»، وهو من الأمثال التي تقال للبحار الذي كان يبالغ في مديح نفسه والتغني بأمجاده، وهو ليس واقعياً في ذلك، فيلقى تعليقاً شديداً وتهكّماً، ويقال له: «شنيوب غرق جمل»، والشنيوب هو سرطان البحر، والمعنى هنا واضح فكيف لسرطان البحر أن يغلب جملاً؟!