صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

صباحات للأنوثة.. والأغنيات

كانت دول مجلس التعاون أكثر الدول اعتمادا على اللؤلؤ والمهن التي تتعلق به في اقتصادها قديماً. ولما كان اللؤلؤ محور حياة معظم الناس فلا ريب في أن يتسرب إلى تراثهم الأدبي الشفاهي وإلى التقاليد والعادات والأغاني والموسيقا والحلي والأزياء. وتتجلى مهنة الغوص على اللؤلؤ وتفاصيلها في الإبداعات النسائية في دول مجلس التعاون ربما أكثر من الإبداعات الرجالية؛ فالمرأة كانت تعاني من فراق رجال العائلة من أب وأخوة وزوج وأبناء وتعيش في حزن وقلق وخوف لحين عودتهم لعلمها بمخاطر وصعوبة المهنة.
ومن هذه الإبداعات إحدى أغاني انتظار عودة الغاصة المعروفة:
يا نوخذاهم لا تصلب عليهم
ترى حبال الغوص قصت إيديهم
يا ليتني ادهينة وأدهن اديهم
يا ليتني خيمة وأخيم عليهم
يصاحب هذه الحالة النفسية تعلق بكثير من الخرافات مثل؛ حرق ماء البحر بجريد النخل المشتعل متمنيات أن يلسع البحر فيعيدهم إليهن، صب الخروع في البحر ليلفظهم وليعودوا سالمين، ومن كان لديها صبي (تباب) مع الغاصة وله قطة في البيت تغطس قطته في الماء فإن ماءت القطة اطمأنت الأم بأن ابنها سيعود قريبا.
ومن الأدعية الشعبية: (يعل كدادكم ما ينشف وزاره)، وفيه دعاء لأهل البيت أن يظل صاحب البيت يعمل ويغوص ليزيد الخير.
ومن المعتقدات أن الغواص الذي يحلم بعروس وهو على ظهر السفينة في رحلة الغوص يحصل على دانة أو حصباه وهي اللؤلؤة كبيرة الحجم.
كما تتجلى مهنة الغوص في أغنيات المهد التي تغنيها الأم لطفلها للتنويم أو الترقيص. من هذه الأغنيات أغنية لتعليم الطفل التصفيق: (صفاقة حق البابا/‏‏‏ من طرشته ما خابا/‏‏‏ ياب الدرر والدانات/‏‏‏ والسلف ولِتبابة). أما للبنت فيقال: (صفاقة حق البابا/‏‏‏ من طرشته من خابا/‏‏‏ صفقي يا رحة إديها/‏‏‏ تول أبوها ليها).
الطرشة هي رحلة الغوص. السلف هو ما يدفعه صاحب السفينة للبحارة من نقود قبل رحلة الغوص أو السفر أيضا. لتبابة هي حصيلة التباب من الغوص وهي إكرامية يقدمها له النوخذه والبحارة.
في أغنية البنت (تول أبوها ليها) دعاء بأن يعود إليها والدها سالماً غانماً.
ومن أغاني الأطفال أيضاً: (يا قمير الدودو/‏‏‏ ما شفت البابا/‏‏‏ طيب وسالم/‏‏‏ واييب الغنايم/‏‏‏ فارش عباته/‏‏‏ وقاعد يصلي)، وفيها يخاطب الطفل قمير الدودو، وهو الهلال بلغة الطفل قديماً، ويسأله إن كان يرى أباه على السفينة.
ومنها أيضاً: (اللي يقوا انقه/‏‏‏ يعله للدقل يرقى/‏‏‏ اييب لمه امزيوية/‏‏‏ ولأبوه عبية برقة)،
وفيها تتمنى الأم أن يكبر ابنها ويعمل على السفينة ويرتقى صاريها ويربح ما يمكنه من شراء عباة مزوية، وهي عباءة من الصوف الثقيل، لأمه وعباءة مزوية لوالده وهي عباء ذات لونين أو أكثر (الأسود والأبيض و البني).
وأيضا: (اللي يقول إنقه/‏‏‏ يعله للدقل يرقى/‏‏‏ يفتل حبال الغوص/‏‏‏ وكل مدلل يشقى). في هذه الأغنية تتمنى الأم أن يكبر ابنها ويعمل على السفينة ويرتقي الصاري، لكنها تأسى لحاله؛ فبعد هذا الدلال في حضنها سيشقى وتتشقق يداه من فتل حبال الغوص.

لولوة
أسماء النساء في دول الخليج العربي هي من أهم مظاهر ارتباطهن باللؤلؤ.هذه الأسماء ما زالت منتشرة ومتوارثة ومحبوبة رغم اندثار مهنة الغوص وتضاؤل الاهتمام باقتناء اللؤلؤ الطبيعي. ومنها: (لولوة)، ويعني لؤلؤة وقد ورد في أغاني المهد في البحرين: (صُباحكْ صُباحك/‏‏‏ لولو الْبَحَرْ مِسْباحك)، وأيضا: (صَباحِك صَباحِكْ/‏‏‏
لُولِي الْبحرْ مِسْباحِكْ/‏‏‏ والْبَيْنْ ما يِنْدَلّكْ/‏‏‏ ولا يِسْمَعْ صْياحِكْ).
تحيي الأم طفلها حين يستيقظ في الصباح بهذه الأغنية وهي تتمنى أن تكون حبات سبحته حين يكبر من اللؤلؤ. وللبنت تغني الأغنية بهذا الشكل: (صُباحِجْ صُباحِجْ/‏‏‏ لولو الْبَحْر مِصْباحِج).
قماشة
اسم عام للؤلؤ المتوسط أو صغير الحجم وغير الكروي. ورد ذكر القماش في أغنية من أغاني المهد في الكويت حيث ترقص الأم طفلتها على أغنية موجهة لزوجة الأب: (ارقصي رقاصة/‏‏‏ أبوج راح للغاصة/‏‏‏ ايبب لأمج قماش/‏‏‏ ولمرت أبوج قرقاشة)، أي أن الأب ذهب للغوص على اللؤلؤ وسيحضر لأمها لؤلؤ ولزوجة أبيها (قرقاشة) أي خشخاشة وهي لعبة للأطفال. كما ورد في أغنية أخرى تقول: (رقية خطبها الجبري/‏‏‏ ومندوبها الباشا/‏‏‏ نص الحسا دزتها/‏‏‏ والهير ويا قماشه/‏‏‏ وبغداد إصباحتها/‏‏‏ ونقول دزة اللاشا/‏‏‏ وعمها قال هاتوها/‏‏‏ وأبوها خضخض راسه).
الجبري هو كبير القوم أو رجل ذو مركز كبير أرسل مندوبه الباشا ليخطب البنت، وعرض على والدها مهرها وهو نصف منطقة الأحساء ومغاصات اللؤلؤ وما تضمه من لآلئ، وبغداد هدية صباح ليلة الزفاف، ومع ذلك يرى أهلها أن كل ذلك (لا شيء – اللاشا) ويصر عمها أي الجبري على إحضارها في الحال إلا أن والدها يرفض ويهز رأسه (بلا). ومن الحلي (مقمش) وهو اسوار من الذهب به من صف إلى عدة صفوف من اللؤلؤ المنظوم.

حصة
اسم مشتق من (حص) وهي اللؤلؤة ناعمة السطح أو الملمس. ورد هذا النوع من اللؤلؤ في أغنية من أغاني المهد في الكويت: (شريفة يا هلال العيد/‏‏‏ يا حصٍ ما يبي تنجيد/‏‏‏ وأمدح شرفة بعد وأزيد/‏‏‏ وأمدح شرفة بمصلى العيد).
علمتُ من الراوية شمة النفيس أن هذه الأغنية أبدعت أول مرة للمرحومة شريفة هلال المطيري، وهي ابنة أشهر طواش أو تاجر لؤلؤ في دول الخليج العربية في القرن التاسع عشر الحاج المرحوم هلال بن فجحان المطيري، ثم انتشرت الأغنية لتغنى للبنات وخاصة من يحملن اسم (شريفة). ومعنى حص ما يبي تنجيد أي لؤلؤة لا تحتاج إلى ثقب. ومن الأسماء (بزة)، وهي اللؤلؤة غير مكتملة الاستدارة أي مسطحة من جانب. يسمى اللؤلؤ بهذا الشكل أيضا (بطن)، و (موزة) وهي اللؤلؤة المعقوفة على شكل فاكهة الموز أما اللؤلؤة التي لها شكل الكمثرى فتسمى (تمبول)، و(دانة) وهي اللؤلؤة كبيرة الحجم غالية الثمن، و(نقوة) تعني صفوة وهي اللؤلؤة صغيرة الحجم ثقيلة الوزن تحتجز في طاسة الوزن التي يفرز بها اللؤلؤ. تسمى أيضا (رأس).
وتزخر الإبداعات النسائية الشعبية في دول مجلس التعاون بكثير من الأغنيات والحكايات والمعتقدات والعادات، التي تتعلق بمهنة الغوص على اللؤلؤ من بناء السفينة وحتى تتزين به النساء، مما لا يتسع المجال لذكره.
........................................................
المصادر: * بزة الباطني، من أغاني المهد في الكويت، طبعة 1999.
* بزة الباطني، من المعتقدات الشعبية في الكويت- بحث.
* بزة الباطني، من أغاني المهد في البحرين – بحث – مجلة الثقافة الشعبية- السنة الثالثة العدد التاسع – ربيع 2010 .