الاتحاد

دنيا

إعلانات التلفزيونات العربية·· مسلسل مكسيكي طويل!

ما إن يبدأ الإعداد للدورة البرامجية الجديدة في أي محطة تلفزيونية حتى تظهر الحاجة الملحة إلى مساحة زمنية (فادحة) للإعلانات حتى تغطي التكاليف الباهظة للبرامج التي غالباً ما يصورها منتجوها بأنها ستشهد ساعة عرضها ذروة المشاهدة، وبالتالي تسوقها مجموعة تسويق المحطة كغنيمة ساعية لعرض المنتجين إعلاناتهم المملة والفجة والمبالغة والسخيفة والتافهة و··· إلى آخره·
ويستعد المشاهد لمشاهدة مسلسل مكسيكي طويل من الإعلانات بكل معنى الكلمة، فمن إعلانات المنظفات قبل شارة المسلسل إلى إعلان البسكويت بعد الشارة مباشرة، ومن الترويج لمطعمٍ شهي قبل إفاقة البطلة الناعسة من نومها إلى إشهار لـ (ما لا يقال) بعد دخول البطل إلى الحمام!· والمشاهد المغلوب على أمره يتربّص أمام الشاشة منتظراً الفرج وانتهاء المسلسل (الحقيقي) لأن المسلسل (المكسيكي) لن ينتهي، فقد امتد ليشمل نشرات الأخبار والأفلام الوثائقية!!·
فوضى إعلانية
من المبالغة بمكان تصور المحطات بلا إعلان إذ أن حضور المادة الإعلانية التلفزيونية هو جزء طبيعي من التطور التاريخي للتلفزيون الذي بدأ هو ذاته كخدمة إعلامية ترتبط بالهوية الثقافية للبلد، ليتحول بعدها إلى مؤسسات إعلامية تجارية خاصة، ولكن هل ما يجري الآن من فوضى في زمان وآلية عرض الإعلان مقبولة؟، وهل المادة الإعلانية المعروضة تتسق مع نوعية المشاهدين أم أنها غالباً ما تحرجهم وتخجلهم إن فهموها أصلاً!، وهل يحدث في الغرب ما يحدث عند العرب؟·
لقد أظهر استفتاء أجراه أحد البرامج التلفزيونية البلجيكية أن 76 بالمئة من المشتركين فيه لا يمانعون من وجود الفقرات الإعلانية بين البرامج التلفزيونية (أي الإعلانات التي لا تقطع المادة التلفزيونية بل تأتي مع نهاية برنامج ما وبداية برنامج آخر)، 80 بالمئة من المشتركين في الاستفتاء نفسه أعلنوا انزعاجهم من قطع المواد التلفزيونية لعرض الفقرات الإعلانية· ولكن نتيجة الاستفتاء البلجيكي وغيره لن تؤثر طبعا على حضور المواد الإعلانية التلفزيونية على المحطات التلفزيونية المختلفة وفي كل مكان في العالم، فالإعلان تحول إلى جزء من تقاليد المشاهدة التلفزيونية بغض النظر عن تململ الكثير من المتابعين، وأصبح مادة فاصلة لا بد منها في كثير من الأحيان· كما إن ارتفاع كلفة الإنتاج التلفزيوني دفع حتى التلفزيونات الرسمية والتي تتلقى الدعم المالي من حكومات بلدانها إلى البحث في الإعلانات عن مصادر أخرى للدخل، ومع كل الأموال التي تحققها الإعلانات للتلفزيونات التجارية والخاصة كان من الصعب حتى على المحطات الرسمية إهمال فكرة جني أرباح كبيرة توازنها، خصوصاً وأن معظم هذه المحطات ظلت زمناً طويلاً تشكل عبئاً على حكوماتها ودافعي الضرائب الذين يمولونها ·
ويختلف شكل الإعلان التلفزيوني على شاشة التلفزيونات الأوروبية بشكل كبير بين المحطات التجارية والمحطات الرسمية، حيث ما زالت هناك قيود على طول المادة الإعلانية في التلفزيونات الرسمية، وهناك أيضا قواعد منع بثها داخل المادة التلفزيونية بل يجب أن تأتي في نهايات أو بدايات البرامج· التلفزيونات الرسمية الأوروبية لم توقع اتفاقيات كالتي أبرمتها المحطات التجارية بتوقيت عرض المواد الإعلانية في الوقت نفسه وعلى كل المحطات التجارية وذلك من أجل إجبار المشاهد على مشاهدة الإعلان وعدم الهرب منه إلى برنامج آخر!!·
غياب المحتوى الجمالي
حضور الإعلان التلفزيوني وشكله على التلفزيونات العربية يختلف بشكل كبير عن حضوره على المحطات التلفزيونية الأوروبية، إذ يتجه الإعلان التلفزيوني العربي في الغالب إلى الترويج لبضائع استهلاكية بحتة بأشكال بدائية وفجة ودون محتوى جمالي إبداعي غالب الأحيان· وفي ذلك أجرى الدكتور محمود عبد العاطي، المدرّس بقسم الصحافة - جامعة الأزهر، دراسة جاء فيها أن إعلانات التلفزيون في العالم العربي، أصبحت إحدى مظاهر التلوث السمعي والبصري والثقافي والقيمي، حيث يغلب على الرواج الإعلاني العشوائية وانتهاك صورة المرأة، وإشاعة روح المقامرة وحب التواكل، على حساب قيم العمل والاجتهاد، خاصة البرامج الإعلانية والمسابقات المعتمدة على الحظ في تحقيق ثروة والفوز بالحُلْم الموعود والجائزة المرصودة· وانتقدت الدراسة الإسفاف في استخدام استمالات الإثارة الجنسية وإغراء المستهلك على تجربة السلعة، وهي الاستمالات الخاصة بالمستهلك والتي بلغت نسبتها 57,5% من مجموعة الاستمالات العاطفية والعقلية المستخدمة في الإعلانات·
يشكل غياب التنوع في الإعلان العربي والنزوع نحو التجارية زيادة في ثقل دم المواد الإعلانية على الشاشة· عكس ثراء وتنوع المواد الإعلانية الأوروبية والتي تتجه لتكون نوعاً من النشرة التجارية والفنية، فهناك إضافة إلى الإعلان التجاري التقليدي والذي يروج للبضائع التقليدية الشائعة إعلانات لآخر الأفلام وأسطوانات الموسيقى وعروض المسارح والصحف والمجلات والكتب وحفلات الموسيقى إضافة إلى أشياء أخرى لا تجعل مشاهدة الإعلان مضيعةً للوقت·
هذا الشكل الجذاب والمتغير ساهم في زيادة سوق الإعلان في المحطات نفسها بعد أن أكدت إحصائيات المشاهدة أن الكثيرين لا يتركون الغرفة عند عرض المواد الإعلانية وهذا هو الطموح الأكبر للشركات المعلنة ولإدارات التلفزيونات!·
أعتقد أن مشكلة الإعلان العربي تكمن في أنه لم يتطور كما تطورت بقية وسائل الاتصال البصري لأنها لم تعامل على أنها فنٌ وإبداع بل عوملت على أنها وسيلة ترويج لا أكثر فظهرت كيفما اتفق وبالتالي كانت النتيجة الطبيعية للمشاهد أن يعاملها كما يعاملها الآن فالإعلانات العربية التجارية التي تقصم ظهر البرامج التلفزيونية هي خير زمن لقضاء الحاجة··أي حاجة·


هـــاني نديــــم

اقرأ أيضا