الاتحاد

ثقافة

السجواني متوجس بمستقبل الثقافة في ظل جيل يعادي القراءة

الغلاف

الغلاف

كتاب «رؤى في الثقافة والابداع» للقاص الإماراتي عبد الرضا السجواني، الصادر حديثاً عن «دائرة الثقافة والإعلام» في الشارقة، يتألف من (176 صفحة) من القطع الوسط، ويضم نحو أربعين نصاً، ما بين مقالة قصيرة وأخرى مطولة. تتوزع فترات كتابتها على مدى أربعين عامأً. أصدر الكاتب خلالها نحو اثنتي عشرة مجموعة قصصية، أربع منها للأطفال، فضلاً عن مشاركته في تأسيس وتحرير مجلتي «شؤون أدبية»، و«دراسات» الصادرتين عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات منذ الثمانينيات، الذي يعتبر الكاتب من أحد مؤسسيه.
كما شارك السجواني خلال هذه الفترة في تحرير مجلتي «التربية»، و«آفاق تربوية»، الصادرتين عن إدارة العلاقات العامة والإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم في الامارات. بالإضافة إلى الكتابة في الصحف والدوريات على مستوى المقالة والقصة والدراسة والبحث والتحقيقات الصحفية، وأدب الرحلات.
تتمحور موضوعات الكتاب حول الثقافة والإبداع في ميادين التراث والطفولة والآداب والفنون عموماً. وتضيء بمجملها على الواقع الإماراتي والعربي بكل مفرداته المتغيرة، بسرعة لا تقل عن سرعة التحولات الاجتماعية المتلاحقة في مرحلة، باتت انجازاتها التقنية والعلمية في كل سنة ـ وربما في كل شهر ـ تختزل تاريخ البشرية منذ فجر الخليقة الأول، وخصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة.
الكاتب مهجوس بمستقبل الثقافة، كونها الوعاء الحاضن لهُوية المجتمع أو الأمة، بتاريخها وحاضرها ومستقبلها. لذلك لم تخل مقالة من التساؤلات العميقة بمراميها، التي تستبطن مكامن الخلل، وتصوب المسار. فالكاتب يستهل كتابه بالسؤال الأكبر، حول موقع أطفالنا من عادة القراءة ومنهجيتها وكيفية تقديم الكتاب، الذي يقنعهم بأنه يحمل لهم ما يبحثون عنه، أو ما يريدونه منه. وفي المقالة الثانية، التي حملت عنوان» أفق الكتابة الابداعية»، يعتبر الكاتب أن الشرط الابداعي في تناول الموضوعات المحلية، أن تكون قادرة برؤاها على تجاوز محيطها إلى المشترك الانساني، فيتوجه الكاتب إلى أصحاب الاصدارات المتميزة شكلاً ومضموناً، بالسؤال: هل تناول كتابها ، أو بالأحرى أدباؤها من الإمارات، القضايا العربية والإسلامية المصيرية، امتداداً إلى قضايا البشرية الانسانية عامة؟». وفي مقالة أخرى يتناول الكاتب مسألة ما يسميه «النهم العربي» لاقتباس نصوص مشاهير المسرحيين العالميين مثل بريخت، فيقول إن الاعجاب أمر، والتقليد والجري وراءه أمر آخر. فالأول حالة لاخلاف عليها، فيما تعشقه النفس وتتوق إليه، «ولكن وصل الأمر إلى حدود ذوبان الشخصية وانصياعها، بل وانسياقها وراء أسلوب التقليد، ما يُعتبر عند الكثير من المفكرين والدارسين للمسرح العربي بوجه خاص، خطوة لا تقدم جديداً، وإن كانت تنمو نمواً فيه الجِدة والتطلع..ولكن عدم خلق منهج خاص يتناسب مع انعكاسات المجتمعات العربية في فكرها وعاداتها وتقاليدها، وفيما يتعلق بحضارتها وفلسفتها وغيره..هو ما يجب أن نتوقف إزاءه لمراجعة أسلوبنا في هذا النهم، المتعمد لكل ماهو أجنبي (...) والسؤال الذي يطل برأسه: متى سيحقق العرب نجاحاتهم الفنية والأدبية، ويقدمون النموذج الأدبي والانساني، الذي يكون مثار اهتمام الغرب وغيرهم من الدول؟.
يتنقل الكاتب بتساؤلاته بين موضوعات شتى، ولكن يشدها عصب واحد، هو هم الثقافة وتصويب مساراتها، في إنتاج المعرفة، أو على الأقل، الوعي بالمآلات الحتمية، التي ينتهي إليها المجتمع ، إما الارتقاء بالسلوك الاجتماعي إلى ذرى تليق بإنسانية البشر، في حال رعاية الثقافة والسهر عليها، أو الانحدار إلى الدرك الأسفل، في حال معاداتها ومقاطعتها أو إهمالها.
ويختم الكاتب بمقالة حملت عنوان «خطوات إلى الوراء»، يقارن فيها بين جيل السبعينيات والثمانينيات والجيل الحالي، لجهة الإقبال على الكتاب والقراءة، فيطلق ما يشبه الصرخة المحذرة، من حال معاداة القراءة، والاقبال على الاستهلاك الثقافي الضحل، الوافد بمعظمه عبر الشاشات الفضائية أو العنكبوتية، فيتساءل، ما إذا كان ماضينا المتواضع أفضل وأكثر تهيئة من حاضرنا المضطرب في سبيل منهجية جادة للقراءة وبلوغ المراتب المطلوبة في عملية التزود بالثقافات الأخرى؟ أم أننا سلمنا انفسنا لأجهزة التقانة الحديثة؟ وإن قرأنا فنحن نقرأ أمام شاشة ما! .
هل نحن أمة قد غرقت في نفطها، بعد أن تناست صلتها بجذورها وأصالتها، لتتمسك بأهداب الغرب، بدلاً من عيون الأصالة العربية؟!! فهل ظاهرة عدم الاستزادة من المعرفة والثقافة... والتلهي بنشوة بما يشغل أوقاتنا من بهرجة وبريق زائف، هي خطوة أولى إلى الوراء؟!!
الكتاب بحق، هو تجربة أربعة عقود مليئة بالعطاء الفكري، ومفعمة بالمشاركة والتواصل والتداخل بالحراك الثقافي، وحمل هموم الأدب والثقافة والتراث المنسي. والمقالات هي بمثابة «رؤى اشترك في تكوينها القلب والعقل، كخلاصة لذلك المحك، الذي لم يخل يوماً من الألم، لأنه كان متخماً بهاجس الاشراق والضياء، بمصاحبة الأدب الرصين والثقافة الجادة»، حسب تعبير الكاتب السجواني في تقديم الكتاب.

اقرأ أيضا