الاتحاد

تقارير

اعتذارات الحروب... استثنائية أميركية

أن تكون رئيساً أميركياً يعني أنك لن تتفوه أبداً بكلمةِ آسفٍ بشأن خوض إحدى الحروب. فلم يعتذر هاري ترومان عن إسقاط قنبلتين ذريتين على اليابان، ولم يوجه أي رئيس أميركي اعتذاراً للحكومة الفيتنامية، وكذلك الأمر بشأن الحملات العسكرية على العراق وأفغانستان.
وقد ظهرت هذه القضية على السطح بعد أن نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أفغان القول إنهم سيطلبون «تعبيراً عن الندم» من الرئيس أوباما بشأن الأخطاء العسكرية، لاسيما تلك التي تسببت في خسائر أرواح بين المدنيين، مقابل اتفاق بشأن مدة بقاء القوات الأميركية في بلادهم. من جانبه، أفاد وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لم يطلب أبداً أي اعتذار، ولن يطلبه، وأشار يوم الأربعاء الماضي إلى أنه أمر ليس مطروحاً للنقاش.
ونظراً لأن تصريحات أي رئيس تحمل وزناً تاريخياً، فإن تقديم اعتذار ليس بالأمر الهين، كما أن تقديمه ينطوي على إمكانية تقويض تضحيات الجنود ويمكن أن يخضع الدولة للالتزام بتقديم تعويضات.
وذكرت مؤلفة كتاب «حالات الأسف: الاعتذار في السياسة الدولية»، جنيفر ليند، أن هناك سوء فهم شائع مفاده أن «الاعتذار هو مجرد مبادرة بسيطة». وأضافت أن «الاعتذار من دولة إلى أخرى ينطوي على كثير من المشكلات العويصة، لذا فهو نادراً ما يحدث على مر التاريخ». وتابعت ليند، وهي أيضاً أستاذة في كلية دارموث بجامعة هانوفر، «إن الاختلافات في القانون والتاريخ توضح السبب في أن الاعتذار أمر ليس سهلا، مثلما يعتقد البعض». وأشارت ليند إلى أنه أياً كان ما يفعله أوباما، فإن «هناك فصيلاً من الناس يشعرون بالاستياء تجاهه»، لافتةً إلى التعليقات الغاضبة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، والتي تصف الرئيس بأنه «كبير المعتذرين».
وكثيراً ما طالب كرزاي باعتذارات من الولايات المتحدة عن القتلى المدنيين، رغم سقوط عدد أكبر من القتلى الأفغان على أيدي المسلحين. وقد ألمح زميل «مجلس العلاقات الخارجية»، المتخصص في شؤون جنوب آسيا «دانيال ماركي»، إلى وجود شعور على نحو واسع النطاق بأن الحصول على إقرار أميركي بالذنب واستخدام كلمة «الأسف» له قيمة سياسية كبيرة في أفغانستان وباكستان ودول أخرى.
ولا يزال من غير المعروف كيف ستعبّر الولايات المتحدة عن شعورها، باستثناء اعتراف كيري بأنه لن يكون اعتذاراً.
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كونكورديا في مونتريال، غراهام دودز الذي يدرس «الاعتذار على المستوى الرسمي»، أن «التعبير عن الأسف ليس له تكلفة إذا كان هو كل المطلوب، وهو أمر سهل، لكن السياسيين يترددون بشكل عام في تقديمه لأنه يعني الإقرار بالخطأ».
ورغم ذلك، اعتذر الرؤساء بشأن انتهاكات محددة ارتكبها جنود، فعلى سبيل المثال أعرب أوباما عن «أسفه العميق» بشأن حرق جنود أميركيين للمصحف الشريف، مثلما اعتذر الرئيس السابق جورج بوش لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن تصويب جندي أميركي النار على نسخة من المصحف كهدف أثناء التدريب على إطلاق النار.
وفي عام 1968، قدّمت الولايات المتحدة اعتذاراً موقعاً إلى كوريا الشمالية عن انتهاك السفينة الأميركية «يو إس إس بيوبلو» لمياهها الإقليمية، في مقابل إطلاق سراح طاقم السفينة المحتجز.
وفي عام 1988، أعرب الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عن أسفه بشأن إسقاط الولايات المتحدة طائرة ركاب إيرانية فوق الخليج مما أسفر عن مقتل جميع ركابها الـ290.
لكن بعد مرور سنوات على الحقيقة، لا يميل الرؤساء إلى تقديم اعتذار، ففي أبريل 1995، رفض الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون القول إن «الولايات المتحدة تدين بالأسف لليابان بشأن إسقاط قنبلتين ذريتين على هيروشيما ونجازاكي».
ويترك الرؤساء في بعض الأحيان مهمة الاعتذار إلى مسؤولين آخرين في الحكومة، كما فعلت وزيرة الخارجين الأميركية هيلاري كلينتون بإصدارها بياناً يهدف إلى نزع فتيل أزمة مع باكستان، قائلة «إننا نشعر بالأسف» حيال الضربة العسكرية الأميركية التي أدت خطأً إلى مقتل 24 جندياً باكستانياً، وعقب ذلك أعيد فتح طريق الإمدادات العسكرية.
ويمكن أيضاً استغلال المسؤولين في التهرب من الاعتذار، مثلما فعل كولن باول في الرابع من أبريل 2001، عندما رفض إخبار الصين بأن الولايات المتحدة تأسف بشأن التصادم الذي وقع بين طائرة تجسس أميركية ومقاتلة صينية. وقال: «لا يوجد شيء أعتذر بسببه».
وطالما اتهم الجمهوريون الرئيس أوباما بالاعتذار كثيراً عن الأفعال الأميركية، وقد قال منافسه الخاسر في انتخابات 2012، ميت رومني، «إن الرئيس ذهب في جولة اعتذار إلى عدد من دول الشرق الأوسط، ووجه انتقادات إلى الولايات المتحدة».
وشملت رحلة أوباما الأولى إلى الخارج كرئيس خطاباً في القاهرة حاول فيه استعادة العلاقات مع العالم الإسلامي، لكنه لم يعتذر عن الحرب في العراق، مثلما أشار رومني، وإنما وصف الغزو الأميركي في عام 2003 بأنه «حرب اختيارية أثارت خلافات شديدة في كثير من الدول حول العالم وفي بلدي».
وذكر دودز أن الندم يكون كبيان رسمي من الحكومة أو تصريح دبلوماسي يهدف إلى تحقيق نتيجة ما. وأوضح أن الحكومة وعدداً من الرؤساء الأميركيين اعتذروا عن اعتقال مواطنين من أصول يابانية أثناء الحرب العالمية الثانية. ثم يتابع: «في 19 فبراير 1976، أكد الرئيس جيرالد فورد أن الاعتقالات كانت خطأً، وهو ما كرره الرئيسان ريجان وكلينتون». ونوه دودز إلى أن دولاً أخرى لا تجد ضيراً في إصدار اعتذار، لكن ثمة ما يتعلق بـ«الاستثنائية الأميركية».


ميشيل تاكيت، ونيكول جاويت
واشنطن


ينشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا