الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
«الحصابي».. المُغْوِيات
«الحصابي».. المُغْوِيات
الأربعاء 22 فبراير 2017 21:03

يختزل اللؤلؤ، خلف قيمته الجماليّة ومعانقته صدور ربّات الحسن والدلال اللاتي يرفلن بما يلبّي غرور الأنثى في الزهو والمباهاة، كثيراً من القصص والحكايات، ولعلّنا لا نبالغ إنْ قلنا إن رحلة الغوص للبحث عنه، مع ما يصاحب ذلك من أخطار، كانت قطعة من العذاب، أبدع حياله الشعراء والزجّالون في ما يصدر عنهم من زفرات وشوقٍ وحنين، فهو مهرٌ غالٍ، وأيّ مهر! فنعومة هذا «اللؤلؤ» تحمل في باطنها حكايا وقصص وهموم رجالٍ ساروا يغريهم بريقُهُ، ويدفعهم نحوه علوّ قَدره ومكانته وما يوفر لهم من أسباب الحياة حتى لو انتزعت من جوف البحر الذي يخفي لهم في جنباته الموت. لكن اللؤلؤ مع ذلك، يحمل دلالات أخرى كثيرة، وجمالاً بالغ الروعة حتى إن الناس يُطلقون الاسم على كلّ ما هو جميلٌ وبديع، وعلى كل ما هو ثمينٌ أو غالٍ يروق لمتداوليه، كما أنه يوجد في كل مناحي الحياة، فهو اسم للنساء، وحين تتوشى باسمه الأسواق تتزايد إليها الخطى لمجرد أنّ اللؤلؤ أو ما يشير إليه يُطلق على هذا المكان أو ذاك. وإنّ طقساً ساحراً، في الواقع، ينتاب السائح أو الزائر حين يسمع بسوقٍ للؤلؤ أو متحف اللؤلؤ، لدرجة أنّه بات ينافس سيّد المعادن وعميدها الذّهب، فكما يحمل الذهب صفةً عليا بامتياز في البريق واللمعان وعلوّ المنزلة، فإنّ اللؤلؤ الذي ارتبط بالحكايات والأساطير، بل وتأطّرت قوّته ورفعته في قوله سبحانه وتعالى «يخلق منهما اللؤلؤ والمرجان»، إنّما يرقى لما يجعله بطل الحكاية والصّيد الثمين الذي تزيغ منه أبصار الرجال، ولا يمكث طويلاً في أماكن البيع لأنّ صدوراً ستختال به وأصابع ناعمة سيكون لها رفيقاً مشعّاً بالحُسن والجمال. الدانات.. بنات النور من المنظور الثقافيّ، فإنّ اللؤلؤ بحرٌ من التمنّيات، وأمواجٌ تتلاعب بأقدار الفتيات، وقلقٌ تنطوي عليه نفوس التجّار، فتكون المسافة إلى القلوب طويلةً جدّاً، ويصعب أن تتحقق بسهولة، لدرجة أنّ الشعراء استعاروا «الدّانة» التي هي في جميع الحالات حبّة اللؤلؤ، فغرّد فنان العرب محمد عبده بكلمات «بنت النُّور»، وقال: (يا دانة بعين بحّارك، ترى الإحساس ربّانك، وأنا ربّان هالمركب، وأفني رحلتي عندك، وحطّيت الأمل عندك، بس الموج ما يساعد، ولا الأقدار بتساعد». وفي هذا ما يؤكّد واقع الحال في جملة التحدّيات والمصاعب، وربّما الأهوال، التي تقف للصّياد- الغواص- وهو يراوغ الأمواج، واضعاً بين عينيه هذه «الدّانة» التي تشكّل أكبر أحلامه وغاية مراده، وذلك كلّه ينطبق على المُحبّ الذي يجد الطريق صعبةً في الوصول إلى الحبيبة، فهو الغواص وهي الدّانة، وفي ذلك تكثر الأشعار وتلتهب الأكفّ في المراكب، وتعلو الآهات وصيحات الحنين في عرض البحر. وكما استعار الشعراء اللؤلؤ والدّانة، فقد استعارت الحكاية الشعبيّة هي الأخرى الملمح الجماليّ والأسطوريّ لفرادة اللؤلؤ وندرته، باعتبار الفرادة سبباً في شهرته وتزاحم الأمنيات عليه، وإذا أخذنا عيّنةً من حكايات ما قبل النوم التي كان يغمض فيها أطفالنا- في ما مضى من رومانسيات الزمن الجميل- أعينهم على «صندوق» أو«صناديق» من اللؤلؤ في بيت «الغول» أو في مغارة مسكونة بالجن، أو غير مأهولة إلا بما يدور حولها من حكايات تشير إلى أنّ ثعباناً فاحم السّواد يحرس هذا الصندوق، وأنّ «الشاطر حسن»- بحسب تناسب الاسم مع البيئات الشعبيّة العربيّة- هو من يصل إلى هذا المكان فيقضي على كثيرٍ من «الأشرار» ويتعرّف إلى كثيرٍ من «الأسرار» قبل أن نشهق معه حتى ليكاد يعمينا بريق اللؤلؤ الذي يصنع المعجزات في ما بعد... إذا أخذنا عيّنةً من ذلك، وجدنا ما يؤهّل هذا «اللؤلؤ» لكي يكون محاطاً في المخيّلة الشعبيّة بكثيرٍ من الأسرار والمتاهات والأخطار. ويحرص كثير من شعراء الخليج العربيّ على أن يضمّنوا قصائدهم الفصيحة ما يحمل شكواهم وهمومهم وبعدهم عن الديار والمحبوب، وربما في إسقاطات سياسيّة واجتماعيّة، وإذا أخذنا عيّناتٍ لشعراء خليجيين، نجدهم يحتفون بهذه الثيمة وينطلقون منها نحو عالمٍ أرحب بفضاءاته الإنسانيّة، وذلك ما يجعل لهؤلاء الأدباء شهرةً مبررةً. ولا يمكن في هذا السياق أن ننسى أنّ هناك «شلات» تضمّنت مفردات البحر، خصوصاً اللؤلؤ، أو «الدانة»، إذ تشكّل ألفاظٌ بعينها إيقاعاً عذباً لدى الفنانين في أغانيهم، كترديدنا معهم لازمة «ودان وا دان دانة دان وا دانة»، حتى لَيسألَ غير الخليجيّ عن معنى هذه الألفاظ التي يتكئ عليها الغناء الخليجي نحو مقاطع جديدة من الإبداع، فتكون الإجابة أنّها في ذلك العالم الرحب الكبير متلاطم الأمواج، وفي ذلك الكنز الغالي الثمين الذي يقبع بعيداً في ذلك المكان السحيق، منتظراً أن تطاله ذراع غوّاص، أو تتلاعب به يد فنانٍ، أو يستقرّ تحفةً من الأناقة على صدر إحدى الحسان. استثمار التراث ولأنّ البحر يمثّل للخليج العربي عموماً، ولدولة الإمارات العربية المتحدة خصوصاً، ملمحاً جمالياً، فإنّ ثمّة ما يمكن أن يؤكّد ضرورة ترسيخ مفردات البحر في أذهان أبنائنا، لا سيما في زحمة انسياب الناس وتسارع أبنائنا نحو عالم التكنولوجيا ورفاهيّة الاستهلاك، وضرورة استثمار مفردات البحر عموماً، واللؤلؤ- موضوع حديثنا- خصوصاً، في مستهلكاتنا، وقصصنا، وفي أعمال تلفزيونيّة وسينمائيّة تستند إلى البحر، باعتبار البحر والصحراء يشتاقان كثيراً إلى اللقاء، ففي كلٍّ منهما ما يؤكّد أنّ تنوّع البيئة بين البحر والصحراء والجبل، إنما يمدّنا بمخزونٍ لا ينضب، ويمكن أن نشتغل عليه. وفي الواقع، فإنّ استثمار مفردة البحر في ما نكتبه أو نغنّيه أو نقتنيه بات مطلباً ضرورياً لتبقى الأجيال على صلةٍ بمن حملوا في ذاكرتهم كلّ ذلك الزمان. وإذا كان اللؤلؤ يشكّل علامةً فارقةً في ما يتضمّنه الخليج، فإنّنا يمكن أن نتخذ من تجربة الصين مثالاً على احتفائها بالملمح الحضاريّ الذي يستمدّه الصينيّون من الأثر الاقتصادي والتجاري لـ «طريق الحرير»، لدرجة أنّ ملتقياتٍ كثيرةً باتت محلّ شهرةٍ سنويّةٍ في الصين، يتمّ من خلالها إعلان الهدف الإنسانيّ والحوار الأخوي الحضاريّ بين البلدان الواقعة على طريق الحرير، والتي عليها أن ترتبط اليوم بصداقاتٍ قويّة تدعم التكامل، مثلما ارتبطت في الماضي بالتشاركيّة في التجارة التي تدخل معها الثقافات، فيكون التعايش بين الدول التي ربط بينها اللؤلؤ. أخيراً... اللؤلؤ عالم جمالي كبير يضم بين ثناياه كثيراً من المعاني والتقاليد والأدبيات، وعن مظاهر هذا العالم الجمالي الخيالي ومدى توظيفه في تدوين أدب وتراث أهل الخليج، نعيش هذه الفضاءات. أمطرت لؤلؤاً في الشعر العربيّ- الفصيح- استعار الشعراء اللؤلؤ، فوضعونا في جوٍّ ساحرٍ ورومانسيّة عالية لجمال مفرداته التي يضاهي بعضها اللؤلؤ، بل هو اللؤلؤ ذاته، ولا أدلّ على ذلك من قول الشاعر: (وأمطرتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ/ ورداً وعضّت على العنّاب بالبردِ).. وقد اعتمدت مناهجنا العربيّة في دورس البلاغة والنقد الأدبي هذا البيت لحسن التشبيه فيه ولجودته وجمال معناه، حيث دموع الحبيبة لؤلؤاً، والعينان نرجساً، والوجنتان ورداً، والشفتان عنّاباً، والأسنان بَرَداً، وكلّ ذلك معنى رائق في التشبيه والتمثيل، ولا أبلغ في الواقع من أن تكون الدموع لؤلؤاً، وفي ذلك ما يؤكّد قيمة ما لفت الشاعر وشدّ انتباهه في العلاقة الحميمة بين الطرفين.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©