الرياضي

الاتحاد

سقراط «فيلسوف» السامبا وطبيبها يودع الحياة

سقراط (يسار) في حديث مع جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا السابق عام 2009

سقراط (يسار) في حديث مع جوردون براون رئيس وزراء بريطانيا السابق عام 2009

ودع العالم أمس أحد أكبر نجوم كرة القدم البرازيلية والعالمية سقراط، هذا الطبيب الذي فضل الاستسلام لمهاراته الكروية عوضاً عن ممارسة مهنته الأصلية، واللاعب الذي نشط على الساحة السياسية لنصرة القضايا التي اعتبرها عادلة.
أنه أب لستة أولاد أمضى فترة تقاعده بكتابة المقالات الشغوفة إن كان حول الرياضة أو السياسية أو الاقتصاد. فضل سقراط الاهتمام بدراسته أولا ونال شهادته في طب الأطفال، ثم تفرغ للكرة وهو في الرابعة والعشرين، واستطاع أن يثبت أنه قادر على التفوق في الرياضة على غرار تفوقه في الدراسة، وبالفعل أصبح حالة خاصة في عالم الكرة الذي دخله متأخراً إلا أنه لمع فيه ونجح بامتياز بفضل شخصيته وحكمته وطبعا فنياته وموهبته أنه البرازيلي سقراط أو “الفيلسوف” كما يلقب.
كان يفضل أمتاع الجماهير على الفوز، ولأنه رجل ذو مبدأ ضحى بمسيرته الاحترافية في الدوري الايطالي، الذي وصل إليه عام 1984 في صفوف فيورنيتا، وذلك بسبب المقاييس المادية التي تطغى على الكالتشيو وتفضيل الأندية للنتائج على حساب الفرجة.
ولم يفكر طويلاً قبل أن يعيد أدراجه إلى البرازيل. وهناك وضع أمام إمتحان آخر، كان سياسيا هذه المرة بسبب نظام الحكم الديكتاتوري في البلاد، وكان اللاعب الوحيد الذي يبدي معارضته صراحة لما تعيشه بلاده من قهر وغياب للديمقراطية، وقاد مسيرة “دمقرطة” نادي كورينثيانز الذي كان يلعب له. قال: “بقيت في ميدان كرة القدم فقط من أجل أخذ الثقل السياسي، لمحاربة المجتمع القمعي الذي يقوده الجيش”. لم يكن هناك أحد يقدر على الكلام بهذه الصراحة وأمام الملأ إلا الفيلسوف إبن أحد العائلات البرازيلية المتوسطة من شمال البلاد، وبدأ ممارسة رياضته المفضلة في أحد أندية المنطقة المتواضعة، غير أنه فضل مواصلة دراسته في الطب على الكرة، وكان له ما أراد وحصل على دبلوم طب الاطفال عام 1979، ثم عاد إلى الميدان الذي عشقه منذ الصغر. وتمكن من تسجيل 168 هدفا في 302 مباراة خاضها مع نادي كورينثيانز خلال خمسة مواسم، وقاد ناديه إلى التربع على عرش الكرة في أميركا الجنوبية. كما كان سقراط أحد منظري المنتخب البرازيلي، وبرز في صفوفه بقوة، وأدى معه أحسن مباريات مشواره الرياضي الذي لم يدم إلا تسعة أعوام. بدأ مشواره مع المنتخب في 23 أغسطس 1979 خلال مباراة دولية ودية ضد الأرجنتين، حيث تمكن من تسجيل هدفين، وابتداء من العام 1980 قدمه له المدرب تيلي سانتانا شارة قائد الفريق، وهذا لم يكن اختياراً بقدر ما كان لازما. وفي نهائيات كأس العالم 1982 في اسبانيا كان الجميع يرشح البرازيل للفوز باللقب، إلا أن المنتخب الايطالي فوت هذه الفرصة على سقراط وزملائه برغم تألقهم. وكانت مباراتهم أمام الاتحاد السوفياتي أحدى أفضل المباريات في هذا المونديال، حيث تمكن السوفيات من التقدم بهدف، وفي آخر اللقاء عدل سقراط النتيجة قبل أن يضيف أيدير هدف الفوز لمنتخب بلاده في الثواني الأخيرة من المباراة. وفي عام 1984 وافق هذا “الرجل الغريب”، الذي يعتبر الكرة وسيلة للمصالحة بين الناس، على الانتقال إلى ايطاليا للعب في صفوف فيورنتينا، غير أنه وفور وصوله إلى هناك لم يستطع تحمل ضغط الكالتشيو، واقتنع أن هذا العالم ليس عالمه وقرر العودة إلى بلده حيث أكمل مشواره مع نادي فلامينجو. كما شارك مع منتخب بلاده في نهائيات كأس العالم 1986 التي اقيمت في المكسيك، والتي خرج منها من الدور ربع النهائي على يد فرنسا بعد مباراة لا تزال عالقة حتى الآن في ذاكرة متتبعي الكرة وتعتبر من بين أحسن المباريات في القرن الماضي.
وغادر سقراطيس عالم الكرة فجأة في أبريل 1987 وفضل التفرغ لمهنته، معلنا بذلك نهاية مشوار فيلسوف ذو مبدأ مارس ذات يوم الكرة بأمانة واخلاص بعيداً عن الحسابات المادية التي صارت تلوث سماء هذه الرياضة لكنه لم يبتعد كثيراً فعاد ودافع عن ألوان سانتوس (1988-1989) ثم بوتافوجو مجدداً (1989) قبل أن يعتزل لحوالي 15 عاما ثم يعود إلى الملاعب عام 2004 كمدرب ولاعب ولمدة شهر فقط مع فريق إنجليزي من الدرجات الدنيا (جارفورث تاون).

اقرأ أيضا

خان.. «الحصان الأسود» إلى «إنييستا الزعيم»