الاتحاد

(شهيد الهوى) (1)


من القصص العاطفية ما حكاه الثوري، قال حدثني جبلة بن الأسود وما رأيت شيخاً أصبح ولا أوضح منه، قال: خرجت في طلب إبل لي ضلت فمازلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام وخفيت الطريق فسرت أطوف وأطلب الجادة، فلا أجدها فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتاً حسناً بعيداً وبكاء شديداً فشجاني حتى كدت أسقط عن فرسي فقلت لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنما له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها
أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
قال فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام، وقال: من الرجل؟ فقلت منقطع به المسالك أتاك يستجير بك ويستعينك، قال: مرحبا وأهلا انزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطيء وطعام غير بطيء فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال: أعذرني في هذا الوقت· فقلت والله إن هذا لخير كثير، فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسنا، فوثب إليها ومازال يقبل الأرض حتى وصل إليها وجعلا يتحادثان فقلت: هذا رجل أعرابي، ولعلها حرمة له فتناومت وما بي نوم فما زالافي أحسن حديث ولذة مع شكوى وزفرات إلا أنهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح، فلما طلع الفجر تنفسا الصعداء وبكى وبكت، ثم قال لها: يا ابنة العم سألتك باللَّه لا تبطئي عني كما أبطأت الليلة قالت: يا ابن العم، أما علمت أني انتظر الواشين والرقباء حتعى يناموا ثم ودعته وسارت وكل واحد منهما يلتفت نحو الآخر ويبكي فبكيت، رحمة لهما، وقلت في نفسي·· والله لا أنصرف حتى أستضيفه الليلة وأنظر ما يكون من أمرهم، فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداءك، الأعمال بخواتيمها وقد نالني أمس تعب شديد فأحب الراحة عندك اليوم فقال: على الرحب والسعة لو أقمت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلا كما تحب، ثم عمد إلى شاة فذبحها وقام إلى نار فأججها وشواها وقدمها إلي فأكلت وأكل معي، إلا أنه أكل أكل من لا يريد الأكل فلم أزل معه نهاري ذلك، ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما، إلا أنه كالولهان، ولم أعلمه بشيء مما رأيت، فلما أقبل الليل وطأت وطائي فصليت وأعلمته أني أريد الهجوع لما مر بي من التعب بالأمس، فقال لي: نم هنيئا فأظهرت النوم، ولم أنم فأقام ينتظرها إلى هنيهة من الليل فأبطأت عليه فلما حان وقت مجيئها قلق قلقا شديدا وزاد عليه الأمر فبكى، ثم جاء نحوي فحركني فأوهمته أني كنت نائماً، فقال يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني وجاءتني البارحة؟ قلت: قد رأيتها· قال: ابنة عمي وأعز الناس علي وأني لها محب ولها عاشق وهي أيضاً محبة لي أكثر من محبتي لها، وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي، وتكبره علي فصرت راعيا بسببها فكانت تزورني في كل ليلة وقد حان وقتها الذي تأتي فيه وانشغل قلبي عليها وتحدثني نفسي أن الأسد قد افترسها، ثم أنشأ يقول:
ما بال مية لا تأتي كعادتها
أعاقها طرب، أم صدها شغل؟
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقما
تكاد من حره الأعضاء تنفصل
وجد عبدالعزيز - العين

اقرأ أيضا