صحيفة الاتحاد

دنيا

أبو سهل الصعلوكي.. الفقيه الصوفي والشاعر الأديب

أحمد مراد (القاهرة) - يأتي أبو سهل الصعلوكي على رأس مجددي القرن الرابع الهجري، فقد طاف واغترب ودرس، وكان فقيها عالما متكلما صوفيا، وكان فوق ذلك أديبا شاعرا كاتبا زاهدا.
ويقول د. منصور مندور، من علماء الأزهر الشريف: الإمام أبو سهل الصعلوكي هو العلامة أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الحنفي العجلي الصعلوكي النيسابوري، ولد سنة 296 هجرية، وبدأ يتلقى علوم الدين والأدب وهو في التاسعة من عمره، وقد تلقى العلم على أيدي مجموعة كبيرة من كبار العلماء والفقهاء على رأسهم ابن خزيمة وأبو العباس السراج، وأحمد بن الماسرجسي، وأبو قريش محمد بن جمعة، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، كما سمع في بغداد من إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، وابن الأنباري، والمحاملي.
كريم النفس
وتعلم أبو سهل وتثقف في المنطقة الشرقية وبالتحديد في بلاد فارس ليخرج منها بعد أن تجاوز مرحلة المراهقة وبلغ مرحلة الشباب إلى العراق، وفيها درس بالبصرة، ولم يطل به المقام كثيرا في العراق حيث عاد مرة أخرى إلى أصفهان بفارس.
وبقى فيها مقدما على الكثير من العلماء كفقيه ومتكلم وصوفي وأديب وشاعر، ولما بلغه نعي عمه أبي الطيب الصعلوكي، خرج في الخفية حتى قدم نيسابور، ثم نقل أهله إليها، وأفتى ودرس في نيسابور ما يقرب من 30 عاما متواصله.
ويشير د. مندور إلى أن تكامل الوظائف المدنية مع الثقافات الدينية بما فيه من سلوك صوفي قد أكسب شخصية أبي سهل الصعلوكي جوانب كثيرة تختلف عن غيره من المجددين في الإسلام، وفي مقدمة هذه الجوانب سلوكه العملي وتفتحه الفني والأدبي، وهو ما تميز به عن غيره من المجددين الأوائل.
وكان أبو سهل يقول عن نفسه: “ما عقدت علي شئ قط وما كان لي قفل مفتاح ما.. ولا حررت علي فضة ولا ذهب”، وهو قول يؤكده ويصدقه الفعل، فقد كان أبوسهل جوادا كريم النفس يؤثر غيره علي خصاصته حتي أنه ذات مرة وهب جبته لفقير يرتعد من برد الشتاء وهو لا يملك غيرها ثم يضطر حين يخرج للقاء وفد من الفقهاء والوجهاء وكبراء القوم أن يلبس جبة النساء غير عابئ وهو إمام البلد وشيخ علمائها.
صوفي وفقيه وأديب
وكان أبو سهل صوفيا مترفعا عن كل ما هو مادي في الحياة، فلم يعتد على شئ يجعله عبدا له، ولم يكتنز أو يخزن أو يعد شيئا، ولم يحتفظ بقفل يحبس فيه ما يكون قد اكتنزه.
ورغم سلوكه الصوفي الذي عاش به فانه لم يكن إنعزاليا حيث كان يخرج للتدريس ويلتقي بالناس ولا يعيش في خلوة تبعده عن العالم من حوله كما كان أبو سهل أكثر تطورا ممن جاءوا من بعده في القرون التالية، حيث كان يعترف بالعواطف الإنسانية ولا ينكرها أو يلغيها.
وقد أشاد به وأثنى عليه العديد من المؤرخين والفقهاء فقال الفقيه أبو بكر الصيرفي: لم ير أهل خراسان مثل أبي سهل. وقال الصاحب إسماعيل بن عباد: ما رأينا مثل أبي سهل، ولا رأى مثل نفسه.
وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو سهل مفتي البلدة وفقيهها، وأفضل من رأينا من الشافعية بخراسان، وهو مع ذلك أديب، شاعر، نحوي، كاتب عروضي، صحب الفقراء.
وقال الشيخ أبو إسحاق في “الطبقات”: الصعلوكي من بني حنيفة، وهو صاحب أبي إسحاق المروزي: كان فقيها أديبا، متكلما، مفسرا، صوفيا، كاتبا وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور. وقال أبوالعباس النسوي: كان أبو سهل الصعلوكي مقدما في علم التصوف، صحب الشبلي، وأبا علي الثقفي، والمرتعش، وله كلام حسن في التصوف.
من مجددي الإسلام
وقيل: سئل أبو الوليد حسان الفقيه، عن أبي بكر القفال، وأبي سهل الصعلوكي، أيهما أرجح، فقال: ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل. وقال أبو القاسم القشيري: سمعت أبا بكر بن فورك، يقول: سئل الأستاذ أبوسهل عن جواز رؤية الله بالعقل، فقال: الدليل عليه شوق المؤمنين إلى لقائه، والشوق إرادة مفرطة، والإرادة لا تتعلق بمحال.
وقال السلمي: سمعت أبا سهل وقد سُئل عن التصوف، فقال: الإعراض عن الاعتراض، وسمعته يقول: من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبدا. وتوفي أبو سهل في شهر ذي القعدة سنة 369 هجرية تاركا خلفه تراثا وعلما جعله واحدا من المجددين في الإسلام.