الاتحاد

دنيا

ناصر النوراني: أرى العالم بعيون أمي

النوراني يعمل بهمة ونشاط

النوراني يعمل بهمة ونشاط

قد لا تصدق عندما يقال لك إن كفيفاً يعمل محرراً صحافياً، لكنك ستصاب بالذهول عند ما تراه أمامك يبدع في كتابته الصحافية بين التحقيق والمقال والسلسلة القصصية مدفوعاً بهمتة العالية وإرادته الحديدية·
يمارس حياته بشكل طبيعي، ويعتمد على نفسه في كل شؤونه الحياتية، حتى يوقن كل من يراه أن الإعاقة ليست إعاقة البدن بل إعاقة العقل والنفس·
ناصر النوراني، درس اللغة العربية في جامعة الإمارات وتخرج بامتياز، ويعكف حالياً على دراسة الماجستير في جامعة الشارقة· عمل محرراً صحافياً في إدارة الإعلام الأمني التابعة للقيادة العامة لشرطة دبي، وقام بالعديد من المهام الصحافية الميدانية وإعداد التقارير والملفات لصالح مجلة الأمن حتى عام ،2002 لينتقل بعدها إلى مجلة خالد الخاصة بالأطفال مشاركاً في الإعداد والتحرير، منشئاً فيها سلسلة قصصية عن الإعاقة بعنوان: صابر ووليد، إلى ذلك شارك في العديد من البرامج الإذاعية والحوارية مستمعاً ومتابعاً ومساهماً علاوة على كتابة سلسلة من المقالات·
فتّش عن الأم
حول سر تفوقه ونجاحه وتميزه يقول النوراني: رفضت الاستسلام لأحزاني وآلامي وشعور العجز الذي يمكن أن يشعر به المعاق أحياناً، وتسلحت بالثقة بالنفس وأقبلت على الحياة بتفاؤل· لم تكن الإعاقة شيئاً جديداً في عائلتي بل كانت هناك حالات سابقة، مما خفف وقع الصدمة على أهلي لولادتي كفيفاً، وبفضل إيماني القوي بربي وثقتي بنفسي استطعت أن ألملم جراحي وأعيش طفولتي مثل باقي الأطفال· مارست حياتي كشخص طبيعي، ولم تكن الابتسامة تفارقني كما أن الأمل والتفوق كانا ملازمين لي باستمرار·
أما سر تفوقي فهو والدتي التي كانت تسجل لي كل المواد الدراسية على شريط كاسيت، وتشرح لي المنهج وتعلمني بهذه الطريقة، فكانت ''عيوني'' التي أنظر بها· ليس هذا فقط، بل غرست في داخلي الأمل والرغبة في التفوق، وعاملتني ولا تزال على أنني إنسان غير مختلف عن إخوتي الأسوياء·
ويضيف النوراني: أعتقد أن احتضان الأسرة للطفل المعاق جزء ضروري من علاجه ورفع معنوياته، ودفعه للتمسك بالأمل ومواصلة الحياة فيها بكل تفاؤل بدلاً من الاستسلام للإعاقة، مع ضرورة أن تكون لدى المعاق أهداف يسعى إليها ويحققها مهما كلفه الأمر·
كلهم كانوا معي
أما في المرحلة الجامعية، فيؤكد النوراني أن هناك أشخاصاً لهم دور كبير فى حياته، يقول: لا أنسى من كان لهم فضل كبير في إكمال دراستي الجامعية، فبعد حصولي على المركز السابع على دولة الامارات في امتحانات الثانوية العامة، دخلت جامعة الإمارات لأجد أن سمعتي سبقتني إليها، وألمس التعاون من كل من حولي· ولا أبالغ إذا قلت إن الأرض كانت ممهدة أمامي وكان الجميع مستعدين لمساعدتي، سواء في السكن الداخلي، أو من زملاء التخصص والهيئة التدريسية والطلبة السودانيين، بل ومن أسر عديدة خارج إطار الجامعة لا تربطني بها صلة قربى أو معرفة سابقة·
بعد التخرج، انفتحت لي نافذة إعلامية واسعة، وفرها لي - مشكوراً - الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي الذي أتاح لي العمل كصحافي في قسم العلاقات العامة· في البداية تخوفت لكن تشجيع مسؤول القسم المقدم ناصر العور ودعمه جعلاني أخطو بثقة في عالم أستعيد فيه ذكرى والدي، وهو من أوائل الصحافيين الذين عملوا فى الصحافة الإماراتية في الستينات من القرن الماضي·
''فرخ الوز عوام''، هذه المقولة تصدق على ناصر، فهو ابن الصحافي المعروف محمد النوراني الذي عرفته صحافة الإمارات صحافياً جريئاً وموهوباً، ويبدو أنه ترك شيئاً من هوسه الصحافي لدى ابنه الذي سار على خطاه في بلاط ''صاحبة الجلالة''، يقول ناصر: ''قمت بالعديد من التحقيقات والحوارات، واشتغلت على الكثير من الموضوعات وما أزال أعمل صحافياً في مجلة خالد للأطفال إلى جانب كتابة الكثير من المقالات التي تتناول حياتي وزملائي المعاقين وعلاقاتنا بالآخرين، لتصحيح بعض الصور المغلوطة حول الإعاقة، والمساهمة في نشر فهم أفضل لحالاتنا الخاصة وعالمنا المجهول''·
وينطلق ناصر في تعاطيه مع الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة من رأي مفاده أن ''النظر إلى ما يقدمه المعاق على أنه أمر خارق أو تميز ليس شيئاً إيجابياً تماماً، لأنه يرسخ صورة نمطية تصادر حق المعاق في أن يكون إنساناً عادياً تقيم أعماله وفق المعايير نفسها التي تقيم بها أعمال الآخرين''·
هكذا يسلك ناصر في حياته وفي عمله، صحيح أنه فقد نعمة البصر، لكنه لم يفقد الهمة والطموح والصبر، وها هو يخوض تحدياً جديداً يتمثل في إكمال مشواره العلمي والحصول على الدكتوراه، ليس فقط ليحقق طموحه الشخصي أو رغبته في التفوق، لكن لسبب لا يقل نبلاً وهو قناعته بأن ما يحققه من الإنجاز ''ليس لي وحدي ولكن لآخرين غيري من معاقين وأصحاء، فأنا أشعر داخلياً أن تراجعي قد يسبب صدمة لآخرين يحسنون الظن فيّ ويرون نجاحي حافزاً لهم للتفوق''·

اقرأ أيضا