تقارير

الاتحاد

الاقتصاد الصيني... هل يدخل مرحلة التباطؤ؟

في الماضي القريب كان كل من يجرؤ على توقع انحسار الاقتصاد الصيني يُهمش صوته ويستبعد عن الأضواء، فعندما توقع الاقتصادي الأميركي المرموق، "نورييل روبيني"، الذي تنبأ بانهيار سوق العقارات الأميركي، أن الاقتصاد الصيني في طريقه إلى المصير نفسه نُعت بالمعارضة غير المبررة وانتقدت آراؤه المتشائمة حول الصين، والأمر نفسه انطبق على مدير صندوق التحوط "جيم شانوس"، فيما سفهت آراء المحامي والكاتب "جوردون تشانج" الذي عنون كتابه الصادر عام 2006 "الانهيار القادم للصين"، لكن فجأة أصبحت آراؤهم محل اهتمام كبير ومتابعة واسعة تدعمهم في تلك المعطيات التي تشير إلى تباطؤ ثاني أكبر الاقتصاديات العالمية، بحيث استبدل التفاؤل غير المحدود في الاقتصاد الصيني بمخاوف مشروعة حول التصدعات التي بدأت تظهر في جدار المعجزة الصينية.
بل إن الشعور القاتم الذي خيم على الاقتصاد الصيني انتقل إلى الأسواق المالية التي بدأ المستثمرون فيها يبحثون لهم عن مخرج، فقد انخفض مؤشر "هانج سين" الذي يتعقب أداء أسهم الشركات الرئيسية في الصين والمدرجة في بورصة هونج كونج إلى 26 في المئة خلال السنة الجارية في أسوأ أداء يُسجل بالأسواق الآسيوية، كما أن عمليات البيع السريع التي تعكس خوف المستثمرين من تراجع قيمة الأسهم باتت متفشية على نطاق واسع بين المضاربين في الأسهم الصينية إلى درجة أن المحللين في بنك "كريدي أجريكول" الفرنسي اعتبروا أن السوق الصينية هي "الأكثر ازدحاماً فيما يتعلق بعمليات البيع السريع".
وعلى سبيل المثال تدنت أسهم شركة "أوفرسيز أند إنفاستمونت" الرائدة في المجال العقاري خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين فيما يعتبر مؤشراً واضحاً على المصاعب التي يواجهها التطوير العقاري في الصين.
وفي هذا الإطار، يقول "شانج" الذي يعتبر من المتشائمين "هناك شعور متنام أن القصة الصينية لم تعد منطقية"، فالخبراء من طراز "شانج" يرون في تباطؤ الناتج الإجمالي القومي وارتفاع الدين العام واستمرار تصاعد معدل التضخم أدلة كافية على أن مشاكل الصين في طريقها إلى التصاعد، وتتعمق هذه المخاوف أكثر عندما يتعلق الأمر بقطاع السكن الذي يمثل تقريباً خمس الاقتصاد الصيني، ففي نمط شبيه بما جرى في الولايات المتحدة أطلقت موجة من القروض السهلة في السنوات الأخيرة حمى التطوير العقاري المنفلت الذي دفع بالأسعار إلى عنان السماء إلى درجة أن المشترين في الصين كانوا يبيتون ليلهم في العراء لانتظار دورهم لشراء الشقق وهي بعد في طور التخطيط، ليصل سعر شقة عادية في شنغهاي بمساحة ألف قدم مربع إلى 335 ألف دولار بما يفوق الراتب السنوي للمواطن العادي بأكثر من 45 مرة.
واليوم يعود القطاع العقاري في الصين إلى حجمه الحقيقي بعدما تراجعت أسعار المساكن لشهرين على التوالي واضطرار شركات التطوير المفتقدة للسيولة إلى طرح ما لديهما بأسعار مخفضة والتخفف من أعباء الديون، ويوضح مؤشر البيع في 35 مدينة رئيسية في الصين أن 29 منها شهد انخفاضاً حاداً في مستويات البيع مقارنة بالسنة الفائتة، فيما تراجع البيع بنحو 50 في المئة هم ست مدن بما فيها بكين، وفيما ترد الحكومة الصينية أن ما يجري هو جزء من الخطة، حيث لجأت إلى الحد من الإقراض لمواجهة المضاربين، يرى المنتقدون أن الأذى قد لحق بالقطاع ولا مجال لعكسه، فوراء بريق البنايات الشاهقة والطرق السريعة والقطارات المكوكية لا يرى الخبراء سوى بلدات مهجورة وطرق فارغة وخطوط سكة حديدة غير ضرورية، فيما الدين العام وصل إلى حدود قصوى، مثيراً المخاوف من الضغوط التي يعاني منها الاقتصاد الصيني والتي قد تؤثر على مجمل الاقتصاد العالمي.
هذه المخاوف عبر عنها "فيكتور شيه"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "نورث وسترن" بالولايات المتحدة قائلاً "إن أغلب النمو الاقتصادي الذي شهدته الصين في المرحلة الأخيرة كانت تحركه الاستثمارات الحكومية، لكن الصين باتت عملاقاً اليوم وأية مشاكل تواجهها ستواجه العالم بأسره"، وأمام القلق المتزايد من مستقبل الاقتصاد الصيني وجدت الخبيرة الاقتصادية "تاو وانج" نفسها مضطرة لإصدار بحث هدفه تهدئة مخاوف المستثمرين، قائلة "كان علينا التصدي للمقولات التي تنذر بقرب انهيار الاقتصاد الصيني"، لكن مع ذلك لم يعد أحد يشكك في الضغوط التي يمر بها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فوتيرة الإنفاق الحكومي المرتفع لم يعد قابلا للاستدامة، كما أن الصين بدأت تشعر بالآثار السلبية لتباطؤ الاقتصاد في أوروبا والولايات المتحدة اللذين يشكلان معاً أكبر سوق استهلاكية للمنتجات الصينية، ولا ننس أنه على المدى البعيد تواجه المكانة التي بنتها الصين لنفسها كمصنع للعالم أخطاراً مهمة بسبب منافسين أقل كلفة وتراجع القوة العاملة في الصين، ومع ذلك مازال بمقدور الاقتصاد العالمي الاستفادة من الصين لو أن هذه الأخيرة أعادت هيكلة اقتصادها لينتقل سكانها البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة إلى مزيد من الإنفاق والاستهلاك.
والمشكلة أن هذا التوجه غير ممكن في الوقت الحالي ما دامت البنية الاقتصادية للصين ترجح كفة الشركات الكبرى على حساب المستهلكين، وقد قامت الصين بذلك من خلال الإبقاء على عملتها، "اليوان"، منخفضة ما يفيد المصدرين من خلال البضائع الرخيصة، لكن من جهة أخرى تؤدي العملة الضعيفة إلى تأجيج التضخم داخلياً ورفع سعر البضائع المستوردة. وفي النهاية كما يؤكد "مايكل بيتي"، الخبير الاقتصادي، كل ذلك يقود إلى تراجع قدرة الصينيين على الاستهلاك، موضحاً ذلك بقوله "لكي تصلح هذا الخلل على الصين إعادة هيكلة مصادر النمو لديها والتوجه أكثر نحو الاستهلاك"، وهو السيناريو الذي وصفه الخبير نورييل روبني بـ"المهمة المستحيلة".

ديفيد بيرسون
محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا