تقارير

الاتحاد

العرب بين العشيرة والعولمة

تطور مفهوم التنمية الاجتماعية بعد كوارث الحرب العالمية الثانية، وعكف الفكر الاقتصادي والاجتماعي الغربي على دراسة ظاهرة التراجع نتيجة الحرب ومحاولة تجاوزها من خلال خطط تنموية. وعلى أساس هذا التصور للتنمية يُقدم البنك الدولي تعريفاً للبلد النامي مبنيّاً على أساس مقارنة الدخل، حيث يعتبر أن: "البلد النامي هو البلد الذي تعيش فيه الأغلبية على أموال أقل بكثير مما يعيش عليه السكان في البلدان الصناعية الكبرى مرتفعة الدخل، حيث تفتقر هذه الأغلبية إلى الخدمات العامة الأساسية مقارنة بهؤلاء السكان". وقد بقي هذا التعريف سائداً وما زال يستند إلى الجوانب الاقتصادية بالمقارنة مع الدول الصناعية الكبرى.
والمشاريع الإنمائية جميعها تفترض وجود مجتمع متقبل لهذه الخطط ومتفاعل معها من أجل البناء. وهذا هو ما كان في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
إن الدول العربية دخلت القرن العشرين متخلفة حيث لا بُنى تحتية ولا مجتمعات متفتحة متعلمة تعرف ما تريد. إنه تخلف هائل يصعب تصوره ويشمل جوانب الحياة المادية والاجتماعية والفكرية كافة.
وعلى أية حال فقد بدأ البناء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد الحرب العالمية الأولى وما زال حتى وقتنا الحاضر ولكنه بناء متلكئ مرتبك. ولذا فكثيراً ما تعرض هذا البناء للتدمير سواءً كان جُزئيّاً أو كليّاً. والانتكاسات السياسية والانكسارات والهزائم العسكرية والانهيارات تتوالى والخسائر الاجتماعية سواءً في الأرواح أو فرص التنمية أو الاقتصاد أكبر من أن تقدر والخاسر الوحيد هو المجتمع ذاته. أما خطط التنمية فإنها تذهب هباءً مع ساستها وأحزابها. والمدينة العربية هي مدينة السلطة والنظم وليست مدينة المجتمع.
لقد أثبتت خطط التنمية جميعها فشلها بنسبة أو بأخرى ومعدل التنمية على العموم أقل بكثير من المتوسط لما كان متوقعاً. وإضافة إلى عدم تجانس التنمية فقد تكون هناك تنمية عمرانية مقابل تراجع في التنمية الاجتماعية وهكذاوهذه المجتمعات ولاشك لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار المناسب للتنمية المطلوبة. إنها لا تزال تواجه تحديات ذاتيه كبرى إضافة للتحديات الخارجية التي يفرضها الوضع الدولي المعاصر. ولكن التحديات الذاتية أشد خطورة وصعوبة تجاوز مقارنة مع التحديات الخارجية.
والمشكل العربي الحقيقي، في نظري، هو البعد الشاسع للثقافة الاجتماعية عن روح العصر. وعدم القدرة على استيعاب الحداثة أو إيجاد البديل. وإن كانت هناك استجابة ضئيلة فإنها لا تستطيع مواكبة سرعة التغيرات العالمية السريعة.
والتجانس الاجتماعي ما زال يئن تحت ضغوط الماضي والتاريخ وتقاليد العشيرة. والماضي بكل تفاصيله ما زال حيّاً ويفعل أفاعيله في المجتمع وليس هناك من قدرة على تجاوزه.
إن مجتمعات تعاني مثل هذه الأزمات لا يمكنها أن تحتضن التنمية. وهذه المجتمعات بحاجة إلى خطط إعادة تأهيل بعد خروجها من نفق زمني طوله قرون عدة وليس خطط تنمية. وخطط التنمية أثبتت عدم نجاحها وسطحية عملها في بعض هذه المجتمعات.
إن كل النظم الاجتماعية المعاصرة، التي تطمح المجتمعات العربية إلى تبنيها أو اقتباسها بنسبة أو أخرى، نمت وتطورت تدريجيّاً خلال الثلاثة أو الأربعة قرون الماضية. وتأهلت المجتمعات لها تدريجيّاً ولم تنفذ دفعة واحدة كخطة تنمية أو عملية تحديث. كانت عمليات تطور النظم مترافقة مع تطور المجتمع. أما ما يحدث في مجتمعات العرب فما هو، في رأيي، إلا استيراد أنظمة معاصرة لمجتمعات مُتخلفة عنها زمنيّاً. في مجتمعاتنا يُعزى التناقض الحاد (الذي يقود إلى رفض التحديث) ببساطة للأصالة والخصوصية الاجتماعية! ولا يعزى للفرق الزمني بين النموذج المُستَورَد والمجتمع المُستَورِد. إن مفهوم الأصالة والخصوصية الاجتماعية شيء والتخلف الزمني شيء آخر.
وإشكالية الأصالة والخصوصية تكون مبررة عندما يكون هناك اتجاهان متطوران مختلفان ولكل منهما خصوصيته وأصالته في النمو الزمني. وعلى ذلك يكون هناك نموذجان معاصران مختلفان. أما ما هو موجود لدينا فليس أكثر من ركود حضاري لعدة قرون انفتح فجأة على عالم حديث ومتغير. وفي هذه الحالة لا يوجد أي نموذج يمكن اعتباره خصوصية معاصرة. الخصوصية الحالية ما هي إلا ناتج ركود زمني وليست بسبب تطور باتجاه مغاير. إن عنصر الحركة الزمنية غير متوافر في هذه الخصوصية المزعومة. لقد توقف الزمن في مجتمعات العرب منذ قرون وتوقفت معه كل التطورات الاجتماعية. فهل ناتج هذا التوقف هو خصوصية يجب الحفاظ عليها؟ المحافظة هنا تعني الإصرار على توقف الزمن وبذلك يكون التوقف الزمني هو الخصوصية!
وحتى عقد الخمسينيات من القرن الماضي كان الغرب يمثل الدول المتطورة اجتماعيّاً واقتصاديّاً، وفي عقد الستينيات أخذت اليابان في الظهور لتكون قوة اقتصادية وعلمية منافسة. وفي عقد السبعينيات بدأت دول جنوب شرق آسيا في الظهور كقوة اقتصادية جديدة. وبعد ذلك أخذت الصين في الظهور كقوة اقتصادية وعلمية منافسة. وكل هذه النماذج لم تعش إساراً زمنيّاً كالذي عاشه العرب والمسلمون لعدة قرون وليست لديها خصوصية تخاف عليها. ولذا كانت نهضتها سلسلة اجتماعية ولم تعانِ من رفض داخلي وانهيارات اجتماعية.
لقد دخل العالم منذ القرن العشرين مرحلة التكنولوجيا التي قادت إلى العولمة وبذلك أصبح العالم صغيراً ولم يعد هناك انعزال فيه. فالكل مرتبط مع الكل والاقتصاد مترابط مع التكنولوجيا والسياسة والمجتمع. وفي عالم بمثل هذا التعقيد لا مكان للخمول. فكافة أطراف العالم الجديد يجب أن يكونوا مؤهلين للمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية الجديدة. فهل المجتمعات العربية مؤهلة لأن تلعب دور الفاعل ولو بنسبة بسيطة في عالم العولمة والتكنولوجيا؟ هذا هو السؤال.

محمد عزالدين الصندوق
كاتب عراقي

ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا