تقارير

الاتحاد

أزمة اليورو: جهود الإنقاذ الألمانية

فقط ألمانيا هي القادرة على إنقاذ منطقة اليورو، ولذلك فإنها يجب أن تفعل كذا وكذا... هذه هي العبارة التي نسمعها تتردد باستمرار في مختلف أنحاء العالم في الوقت الراهن. وبالنسبة لغير الألمان يبدو -وعلى نحو متزايد- من الصعب الاقتناع بالأسباب التي تدفع ألمانيا لعدم التحرك بقوة من أجل وضع حد لأزمة الديون. والعمل المنسق الذي قامت به البنوك المركزية العالمية الكبرى خلال الأسبوع الماضي، من أجل تحسين نظام الإقراض العالمي، أبرزَ بوضوحٍ مدى الحاجة للتصرف العاجل في أوروبا.
وفي هذا السياق قام "رادوسلاف سيكورسكي"، وزير الخارجية البولندي الذي يرى أن القارة باتت "على شفا هاوية"، بمناشدة برلين بأسلوب مؤثر يوم الاثنين الماضي بأن تتقدم لأخذ زمام القيادة، وقال: "لقد بدأت أخشى عدم الفعل الألماني أكثر مما أخشى القوة الألمانية".
إن توجيه مناشدة عالمية للقوة الألمانية لتبوؤ القيادة، لم يكن من الأشياء التي كان يمكن لأي شخص أن يتخيل أنه سيسمعها مرة أخرى. بل يمكن القول أيضاً إن الألمان أنفسهم قد بدأوا للتو يستيقظون على حقيقة أنه يتم النظر إليهم في أوروبا حالياً على أنهم "قوة لا غنى عنها"، كما كتب المؤرخ "تيموثي جارتون آش".
والحاصل الآن هو أن أزمة العملة الموحدة باتت على درجة من الخطورة، تجعلها تمثل ثالث لحظة خلال مئة عام الأخيرة تجد فيها ألمانيا نفسها في وضع يمكنها من تقرير مصير أوروبا بشكل أحادي، حيث كانت المرة الأولى عام 1914، والثانية عام 1939. وهذه الحقيقة التاريخية هي التي تثقل في الوقت الراهن على وعي الألمان وتتحكم في فعلهم أو "عدم فعلهم". ومن المعروف أن توحيد ألمانيا قد غير وضعها، وزاد من قوتها، وحوّلها من "رجل أوروبا المريض" إلى "مركز القوة الرئيسي" في القارة، وهو ما حدث في الوقت نفسه تقريباً الذي بدأت فيه الولايات المتحدة في فك اشتباكها مع شؤون القارة.
وقد حدث هذا التحول الألماني الكبير بفضل مزيج من روح الريادة العملية، واستراتيجيات التجارة الذكية، والإصلاحات الاقتصادية التي مكنت الاقتصاد الألماني اليوم، ونتيجة لكل ذلك، كي يصبح أكبر من الاقتصاد الفرنسي الذي يعد الاقتصاد الثاني في أوروبا، بمقدار الثلث. وهذا النجاح كان هو أيضاً السبب في إطلاق النداءات التي تطالب ألمانيا بأن تكون "الفارس الشجاع الذي يمتطي صهوة جواد أبيض" ويأتي لإنقاذ القارة من براثن الأزمة.لكن الألمان سرعان ما اكتشفوا تناقضاً: فالأوروبيون قد يطالبون بالقيادة الألمانية، لكنهم لا يريدون في الوقت نفسه أن ينقادوا للألمان، كذلك من المؤكد أنهم لا يقبلون بنتائج القيادة الألمانية. والدليل على ذلك أنه عندما قامت قوة واجب أوروبية يقودها الألمان بالسفر لأثينا في شهر أكتوبر الماضي، لتقديم مساعدة تقنية مصحوبة بإصلاحات اقتصادية، فإن اليونانيين سرعان ما أطلقوا على أعضاء تلك القوة اسم "Gauleiters"، وهو الاسم الذي كان يطلق على ممثلي الحكومة الإقليمية في عصر ما قبل النازية.
وفي أيرلندا، والبرتغال، ينقسم الجمهور حول ما إذا كان يتعين النظر إلى المساعدة الألمانية على أنه خطة مارشال ألمانية حديثة، أم معاهدة فرساي، لكن من دون حرب هذه المرة! ومن المؤكد أن مثل هذه الأفعال لم تكن لتحفز الألمان على مجرد التفكير في تقديم مزيد من المساعدات.
ومع ذلك، فلو انهار اليورو، سينظر إلى ذلك على أنه كان نتاجاً لخطأ ألمانيا وليس نتاجاً لأخطاء اليونان أو حتى إيطاليا. وإذا ما سعت ألمانيا الآن لتجنب اللوم، والتداعيات الاقتصادية المحتملة لانهيار اليورو، فسوف تجد أنه لم يعد لديها سوى القليل من الوقت للتصرف.
ولذلك فإن القمة الأوروبية المقرر عقدها يومي الخميس والجمعة القادمين تمثل من وجهة نظري فرصة ذهبية قد تكون الأخيرة.
والسؤال الذي تستطيع ألمانيا وحدها الإجابة عليه في هذا السياق هو: هل هي تريد حقاً تحمل مسؤولية كبيرة عن ديون منطقة اليورو، مما يعرضها لمخاطر هائلة، لكنه يجعل منها في الوقت نفسه قوة مهيمنة؟
وفي الوقت الراهن تبدو ألمانيا وكأنها قوة مهيمنة عازفة عن ممارسة الهيمنة، لأنها تعرف أنها هيمنة ستجعلها تنوء بمصاعب قد تتجاوز قدرتها على التحمل.
وألمانيا تواجه في الوقت الراهن خياراً عصياً: فإما أن تتخلى عن أرثوذكسيتها الاقتصادية، وبقايا أفكار السيادة الوطنية، أو أن تواجه انهياراً لليورو يطلق سلسلة من التفاعلات في صورة إفلاسات، وركود، وتفككات، وأفول.
وفي هذا الموقف الدراماتيكي العصيب، بدأت تلوح أخيراً معالم صفقة في برلين وفي أماكن أخرى في أوروبا. فالمستشارة الألمانية ميركل سوف تحصل على موافقة بإجراء التغييرات المحددة على المعاهدات الأوروبية التي كانت قد طالبت بها لإكمال الاتحاد النقدي باتحاد مالي حقيقي، على أن تقبل في الوقت نفسه بدور أكبر للبنك المركزي الأوروبي في حل الأزمة الحالية، وهو ما سيؤدي للشيء الذي تكرهه برلين غاية الكراهية: بنك مركزي يطبع النقود إلى أن تبدأ الإصلاحات الطويلة الأمد في إظهار نتائج.
ليس معروفاً على وجه التحديد نوع التمرد الذي يمكن أن يواجه ميركل إذا ما قبلت بهذا الوضع في إدارتها، وحزبها ، وائتلافها، وبين ناخبيها.
أما السؤال المتعلق بما إذا كان من الممكن لقائد ألماني أن ينجو إذا ما قامت ألمانيا بقيادة أوروبا، فهو سؤال آخر، وقصة أخرى.

توماس كلين
زميل رئيسي بصندوق مارشال الألماني ومدير «مشروع مستقبل اليورو«

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا