أرشيف دنيا

الاتحاد

نحو شرعة لأخلاق التواصل

تُعرّض لغة الشتيمة والإشاعات العلاقات بين الأفراد والجماعات، وربما الدول للأحقاد والانتقام والكراهية. وعندما تغيب القواعد واللوائح والقوانين وآليات المحاسبة السريعة والفعالة ضد الشتمية والإهانة، تزدهر هذه الظاهرة وتنمو وقد تتغلب على أي أخلاق في أي كيان، خاصة عندما يكون المستخدمون قد خرجوا للتو إلى أجواء التعبير الحر.
بعدما انتقل العالم من عالم الإعلام إلى عالم التواصل وبات بوسع مئات ملايين البشر الإرسال أو النشر، فقد أصبح بوسع كل فرد صاحب مدونة أو كاميرا أو هاتف ذكي متصل بالإنترنت أن يتحول إلى مشروع إعلامي أو صحفي، ويحاول فعل كل ما كان بوسع أي وسيلة إعلامية «نافذة» أن تفعله بالأمس: خيراً وشراً، صدقاً وكذباً، حقيقة وخيالاً، موضوعياً أو انحيازاً هذه بعض مميزات فورة تكنولوجيا الاتصال.
ومن أهم ما يميز الإعلام عن الاتصال، هو أن الأول يعتمد على سلسلة طويلة من الجهود التي يشارك فيها المؤسسة بطريقة أو أخرى، وهذا يضاعف المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية لـ «المنتج الإعلامي»، أما في عالم الاتصال، فإن أي محتوى مهما كان عظيم الأثر أو المضمون، فيمكن أن يكون صادراً عن فرد واحد دون اشتراك مسبق من أحد. هذه ميزة لكنها لا تخفي وجه خطورة إذا لم تقترن بجرعة أخلاق وأدب «اتصالي».
الإعلام يراعي غالباً ما يعرف شرعة أخلاق، أو رقابة ذاتية بعضها ينبع من منطلقات مهنية وبعضها غير ذلك، أما في الاتصال فثمة فجوة تتطلب الكثير من الاهتمام، سواء من الشركات أو المستخدمين أو المعنيين بالتنظيمات الإعلامية.
ومع الاعتراف مسبقاً بصعوبة إقرار شرعة لأخلاق التواصل شبيهة بشرعة أخلاق الإعلام، إلا أن من الممكن البدء مما هو متوافر ومحاولة البناء عليه مستقبلاً. وتشكل مدى معرفة مستخدمي شبكات التواصل بشروط الاستخدام جزءاً عملياً مهماً من هذه البداية.
لقد كشفت دراسة حديثة حول القانون والشبكات الاجتماعية عن «فجوة كبيرة» في معرفة الالتزامات القانونية لدى مستخدمي موقعي تويتر وفيسبوك في سكوتلندا؛ فذكرت أن 19% فقط قد قرأوا شروط استخدام الموقع، وأن واحداً من كل عشرة فقط يعرفون حقوقهم وواجباتهم القانونية عند الاستخدام. والدراسة أجريت لحساب جهة قانونية وشملت حسب تقارير إعلامية بريطانية (UKPA) نحو 2100 مستخدم. وبيّنت أن نصف مستخدمي تويتر مثلاً لا يأخذون في الاعتبار إذا كانت تغريداتهم تخرق القانون قبل أن ينشروها.
ليس هناك أي عيب أخلاقي في عدم اطلاع المستخدمين على شروط استخدام المواقع، فمرد ذلك عوامل أخرى تكاد تكون مشتركة بين جميع المستخدمين في كل الدول ومنها: السرعة والكسل، والكم الهائل من الشروط التي تتطلب وقتاً طويلاً ومملاً للقراءة. المواقع الاجتماعية وشركات الإنترنت وحتى خبراء القانون والتشريع وقضاة المحاكم التي نظرت في قضايا ذات صلة ، كلهم يعلمون ذلك. ولهذا، بات لزاماً على جميع هؤلاء أن يعترفوا بأنه حان الوقت في ظل طفرة الشبكات والمواقع والأجهزة الذكية إيجاد شرعة حضارية وراقية لأخلاق الاتصال، قبل أن تستفحل القضايا والنزاعات الناشئة عن سوء استخدام المواقع، ومن أجل اتصال أفضل.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا