أرشيف دنيا

الاتحاد

الجزائر تنفذ برنامجاً طموحاً لإدماج المسجونين في المجتمع

السجون الجزائرية تضمن التعليمَ والتأهيل لنزلائها ثم الرعاية اللاحقة بعد خروجهم

السجون الجزائرية تضمن التعليمَ والتأهيل لنزلائها ثم الرعاية اللاحقة بعد خروجهم

شرعت الجزائر منذ سنوات بتنفيذ برنامج طموح يرمي إلى إعادة إدماج المسجونين في المجتمع بعد انتهاء محكوميتهم أو الإفراج عنهم قبل انقضاء العقوبة في إطار صيغ متعددة، وهذا بهدف تمكين هؤلاء من بدء حياة جديدة قائمة على العمل المنتِج وإبعادهم عن عالم الإجرام، وبالتالي تخفيض نسبة العودة إلى الجريمة إلى مستويات دنيا.
تأهيل حِرَفي
يقوم هذا البرنامج على عدة محاور متكاملة؛ ويبدأ داخل السجن حيث تمنح مختلفُ السجون الجزائرية الـ133 فرصة لكل سجين من بين المسجونين الـ56 ألفاً لاكتساب أية حرفة يرغب بها، من خلال منحه تدريبا حِرفياً متخصصاً داخل المؤسسة العقابية على يد أساتذة مؤهّلين. وإلى حد الساعة، التحق نحو 30 ألف مسجون بمختلف الاختصاصات الحرفية بالورشات التكوينية المفتوحة لهم داخل السجون في 2011 مقابل 1600 مسجون فقط في عام 2003، بحسب وزير العدل الطيب بلعيز.
ويرى بلعيز أن هذا التأهيل هو «واحدٌ من بين الحلول التي تمكِّن من مكافحة الجريمة والمساعدة على إعادة إدماج النزلاء داخل الوسط الاجتماعي بعد انقضاء فترة العقوبة».
وبعد انتهاء التديب، تُمنح لكل مسجون شهادة يمكنه من خلالها الاندماج في عالم الشغل بعد انقضاء فترة عقوبته، كما يمكنه أن يستظهرها أمام مختلف الوكالات الوطنية المتخصصة بمساعدة الشباب على إنشاء مشروعات صغيرة في مختلف المجالات بالحصول على قروض من البنوك العمومية.
وفضلاً عن التعليم يواصل نحو 26 ألف مسجون تعليمه في مختلف المراحل التعليمية داخل المؤسسات العقابية، ويستفيد الناجحون في البكالوريا من «حرية نصفية» حيث تسمح لهم إدارة السجون بمزاولة تعليمهم بالجامعات كل يوم على أن يلتحقوا بالسجون كل مساء للمبيت فيها، وكشف الوزير بلعيز أن 450 مسجوناً يتابعون حالياً دراستهم بالجامعات الجزائرية لنيل الليسانس أو الماجستير، وقد تخرّج من هؤلاء 25 مسجوناً بشهادة دكتوراه في يونيو الماضي.
وغالباً ما يستفيد المسجونون الناجحون في مختلف المراحل التعليمية وبخاصة البكالوريا، من العفو الرئاسي في الأعياد الوطنية والدينية، أو الإفراج المشروط أو من تخفيض محسوس في مدة العقوبة، أو على الأقل من «الحرية النصفية»، وبهذا الصدد قال مختار فليون، مدير إدارة السجون، إن 13197 مسجوناً استفادوا من نظام الإفراج المشروط منذ عام 2005 إلى الآن، و2442 من الحرية النصفية، بينما منحت لـ21478 مسجوناً إجازة الخروج. ويضيف فليون أن هذا المسار سمح بتخفيض محسوس لنسبة العودة إلى الجريمة بعد تحسن المستوى التعليمي لعدد كبير من المسجونين.
رعاية لاحقة
لم تكتفِ المؤسسات العقابية الجزائرية بتعليم نزلائها أو منحهم تكويناً في مختلف الاختصاصات الحِرفية خلال فترة محكوميتهم، بل فتحت أيضاً فروعاً تُعنى بمتابعتهم بعد خروجهم من السجن ومساعدتهم على إيجاد مناصب شغل ودمجهم اجتماعياً، وتسمى هذه السياسة «الرعاية اللاحقة». إلى ذلك، أعلن الوزير بلعيز أن 5521 مواطناً استفادوا من مناصب شغل بعد خروجهم من السجن خلال سنتي 2009 و2010، بمساعدة من المصالح الخارجية للسجون التي أنشئت لمساعدة هذه الفئة، وقامت بالتنسيق مع مصالح إدارية أخرى، وكذا وكالات متخصصة بدعم المشروعات الصغيرة للشباب حيث تحصَّل الكثيرُ من خريجي السجون على قروض مكَّنتهم من إقامة مشروعاتهم في إطار التأهيل الحِرفي الذي تلقوه.
ويؤكد بلعيز أن إلغاء اشتراط «صحيفة السوابق العدلية» بموجب مرسوم من الحكومة صدر مؤخرا، كان له بالغُ الأثر في توظيف الآلاف من خريجي السجون، حيث كانت هذه الوثيقة المُعرقِل الأول لإدماجهم في عالم الشغل أو الحصول على قروض لمشروعاتهم، بالنظر لإحجام مديري مختلف المصالح والمؤسسات العمومية عن تشغيل المسبوقين قضائياً، مشيرا إلى أن سياسة القطاع مع المحبوسين تعتمد على «الإصلاح لا العقاب». ويضيف أنه بقي الآن على المجتمع أن يتجاوز عقلية النظر إلى المحبوس سابقا بعُقدة، وأن يتعامل معه على أنه مواطنٌ عادي وذلك لتسهيل عملية إدماجه وعدم عودته إلى الانحراف، وهو تلميحٌ إلى ضرورة مشاركة أرباب العمل الخواص في هذا المسعى الحكومي من خلال إسقاط شرط «صحيفة السوابق القضائية» بدورهم.
قضاء العقوبة في العمل
إضافة إلى الإجراءات السابقة، شرعت السلطات منذ يناير 2010 بتطبيق عقوبة بديلة للسجن، وهي «العمل للنفع العام» حيث يمكن للمحبوسين المبتدئين الذين لا تتجاوز مدة محكوميتهم العام ونصف العام، والمتورطين في قضايا غير خطيرة، الاستفادة من هذا الإجراء من خلال القيام بعمل عامّ يحدده القاضي لمدة ساعتين عن كل يوم حبس. وكشف محمد عمارة، مدير الشؤون القضائية والقانونية بوزارة العدل، أن أزيد من 4 آلاف محكوم عليه، استفاد من «عقوبة» العمل للنفع العام، في أقل من عامين، وثمّن هذا الإجراء وأكد أنه «ساهم في تخفيض نسبة العودة إلى الجريمة من خلال إبعاد المجرمين المبتدئين عن محيط الجريمة في السجن وإبقائهم في وسطهم العائلي».
من جهته، ثمَّن النائب العام الشرفي لدى محكمة النقض الفرنسية جون لوي نيدال هذا الإجراء الإصلاحي وقال إن «المشرِّع الجزائري مدَّ يده للشباب الذي يخطئ للمرة الأولى حتى لا يحرمه من حريته عن طريق إيجاد عقوبة بديلة». ومكّنت هذه الإجراءات آلاف المحبوسين السابقين، من بدء حياة جديدة، بعد أن يحصلوا على شهادة دراسية أو تكوين حرفي يتيح لهم فرصة كبيرة للعمل أو حتى إنشاء مشروع صغير بقرض حكومي، وهي فرص قد لا تتاح له حتى في حياتهم العادية، وأدى ذلك إلى تخفيض نسبة العودة إلى الجريمة بحسب مختار فليون، وبالتالي تخفيف الاكتظاظ في السجون الـ133. ويتيح هذا البرنامج أيضاً نفس الفرص أيضاً لآلاف المسجونات من الفتيات والنساء، حيث يمنحهن فرص مواصلة تعليمهن أو تلقي تكوين في حِرفٍ نسوية معروفة، وقد لا تجد خريجات السجون عناءً كبيراً في إيجاد مناصب عمل أو إنشاء مشروعات صغيرة بقروض، في الخياطة والطرز وغيرهما، لكن المشكلة أن المجتمع يميل على نبذهن بعد خروجهن من السجن، ومن النادر أن تجد الفتاة الخارجة من السجن شابا يقبل الزواج بها، كما تؤول العلاقة بين الكثيرات منهن وعائلاتهن إلى برود وجفاء، حيث تعتبر العائلات أنهن ألحقن بها عاراً كبيراً، وتلك مشكلة اجتماعية مُزمنة لا يمكن للحكومة حلها بجملة إجراءات أو قرارات، لأنها مشكلة ذهنيات وأحكام ونظرة اجتماعية بالدرجة الأولى، ما يعني أنها تحتاج إلى وقتٍ طويل لتجاوزها.

اقرأ أيضا