الاتحاد

تقارير

عن اليوم الوطني للدولة

احتفالات جمعية صيادي الفجيرة، حيث يرفرف علم الوطن عالياً، ترمقه العيون وتفتديه المهج (تصوير محيي الدين)

احتفالات جمعية صيادي الفجيرة، حيث يرفرف علم الوطن عالياً، ترمقه العيون وتفتديه المهج (تصوير محيي الدين)

«الوحدة القومية» أو «الاتحاد القومي» -سواء اخترت هذه العبارة أو تلك- فإنهما معاً تشيران إلى المعنى ذاته (سياسياً وإدارياً)، وهو الحلم الدائم لدى كثير من الشعوب التي لا تتوقف عن السعي لتحقيق الوحدة ولم الشمل.
لقد مرّت عقود وعهود على الأمة العربية وهي في طريق التيه الذي أخذها فيه بعض قادتها، حيث عرف التاريخ حروباً أهلية عربية أكثر من حروب العرب ضد أعدائهم الأجانب. وقبل ذلك جاء زمن كئيب شهد فيه العالم كيف أن تلك الدولة العظيمة المزدهرة، رائدة العلوم والفنون والتقدم الإنساني، انهارت بعض أركان بنائها وانحدر بها الحال إلى درجة أصبحت معها مضرب المثل في التخلف والشقاق والانقسام.
لقد أسس المسلمون الأوائل دولة قوية ومزدهرة، اتسعت وامتدت وانتشر معها الإسلام الحنيف حتى حدود الصين شرقاً وأوروبا غرباً، وكانت دولة يشهد لها التاريخ بالحق والعدل وبأنها كانت نموذجاً وأملاً لشعوب كثيرة، في الشرق وفي الغرب، في آسيا وأوروبا وأفريقيا وفي شبه القارة الهندية.
ولا تتسع المساحة هنا لتعداد وتسجيل أفضال الدولة العربية الأولى على العالم قاطبة، فهي الدولة التي كان نشر العلم وابتداع التفكير العلمي واحداً من إنجازاتها العظيمة وأثراً من آثار اكتشافاتها المبهرة، فهذا المقال ليس هدفه تعداد إنجازات الدولة الإسلامية القديمة، بل الهدف منه أساساً هو المساهمة في تخليد الذكرى الثانية والأربعين لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو تخليد يحتاج إلى صفحات كبيرة الحجم واسعة المعنى.
واليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن أن يكون يوماً خاصاً بشعبها وحكامها وضيوفها فقط، بل هو في الواقع يوم لكل العرب الذين مازال «حلم الوحدة» يمثل بالنسبة لهم مصدراً للأمل ودافعاً للصبر والنضال من أجل تحقيق الوحدة، رغم الخسائر والإخفاقات التي منيت بها محاولات سابقة كان نصيبها من الدعاية والصخب الإعلامي أكثر من نصيبها من الحقيقة والإنجاز.
إلا أن النموذج الإماراتي يحيي الحلم بعودة الأمة العربية إلى مسرح التاريخ كي تحتل مكانها في عالم اليوم الذي تتجه فيه البشرية نحو التوحد والتكامل والتعاون من أجل عالم يسوده السلام ويتحقق فيه العدل والمساواة بين البشر.
وعندما يأتي يوم الثاني من ديسمبر كل عام، يذكر الذاكرون والمهتمون بمستقبل الوطن العربي أن دولة الإمارات العربية المتحدة يسجل لها التاريخ بكل فخر أنها أول دولة اتحادية صمدت وأنجزت وازدهرت، على هذا النحو المبهر الذي شهده العالم، وفي ظل اتحاد تم بحكمة شيوخها وإرادة شعبها... ثم إنها بتوفيق من الله تعالى وبحكمة القيادة أحسنت إدارة ثرواتها التي وهبها الله؛ فشيدت الطرق والجسور، وبنت المدارس والجامعات، ووفّرت حق العلاج الإنساني، وأشادت فيما كان صحراء مدناً عامرة تميزت بالفن المعماري الجميل، وأقامت المدن والمؤسسات الثقافية، وأرسلت البعثات التعليمية إلى الخارج بالآلاف من أبنائها وبناتها، وأصبحت مدنها الكبرى مكاناً يسعى أصحاب الثقافة والفكر وأرباب الفنون والإبداعات لإقامة المعارض والندوات فيه، وأصبحت أبوظبي ودبي والشارقة.. إلخ، كما وصفها صحفي بريطاني، «تحتل المكان القديم للندن وباريس ونيويورك».
وكل هذا المعمار المبهر، بجميع ما ينطوي عليه من مشاريع قائمة وأخرى تحت التشييد والإنجاز، يجري التخطيط له ليس بعين الحاضر أو المستقبل القريب، بل بعين المستقبل القادم الذي هو ملك الأجيال من الأبناء والأحفاد والذين يرجو المرء أن يواصل ما بدأه آباؤهم وأجدادهم الحكماء.
إن الحقيقة الإماراتية (وليس التجربة كما يقال أحياناً) قد علّمتنا أن الدول لا تتحقق لها المكانة العالية والمتميزة بوفرة سكانها وكثرة ثرواتها، فكم من دول ملكت الأمرين ولكنها لا تُذكر الآن كما تُذكر دولة الإمارات العربية المتحدة في أصقاع الدنيا كلها.
نعم، إن هناك ما هو أكثر أهمية في بناء الدول من حجم السكان ومقدار الثروات، ألا وهو الإنسان نفسه، الإنسان المفكر المخطط المؤمن بالمستقبل والواثق من النجاح.
في يوم الذكرى الثانية والأربعين لقيام دولة الاتحاد، سيذكر العرب لحكومة الإمارات بالتقدير العالي دورها الكبير والهام جداً في اكتشاف شبكة «الإخوان المسلمين» التي كانت تجهّز أمرها لتحويل البلاد إلى قاعدة أمامية لها في منطقة الخليج العربي، وهو أمر أصبح معروفاً ومعترفاً به لدى الجميع. كان «الإخوان» (الذين آوتهم دولة الإمارات العربية المتحدة في أيام محنتهم عندما كانوا مطاردين ومطلوبين في مصر) يفكرون منذ ثمانينيات القرن الماضي في العمل على بناء قاعدة لهم في دولة خليجية مهمة مثل الإمارات. لكن بفضل يقظة أجهزة الأمن وانتباهها فقد تمكنت الدولة من كشف وضبط المجرمين في اللحظة الحاسمة. وبذلك يكون الإماراتيون قد أنقذوا العالم العربي من شر الفئة الباغية.
ولا يحتاج الناس في الإمارات أن يشكر لهم إخوانُهم في مصر وغيرها من بلاد العروبة مساعداتهم السخية في ساعة الضيق، فذلك الأمر من بعض ميراثهم الأخلاقي ومما اكتسبوه من الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.
تهنئة خاصة لدولة الإمارات العربية المتحدة بيومها الوطني الثاني والأربعين، ودعاؤنا إلى الله تعالى أن يحفظها وأهلها من كل شر وأن يلهم خطواتها نحو مزيد من الرقي والازدهار.


عبدالله عبيد حسن
كاتب سوداني مقيم في كندا

اقرأ أيضا