أرشيف دنيا

الاتحاد

راجي إلياس: نار الفرن تتحكم في عمل الخزاف


دمشق ـ عمّار أبو عابد:
راجي إلياس خريج المعهد الهندسي المتوسط، لكنه ومنذ أن تعلم صناعة الخزف قبل أربعة عشر عاماً، احترف هذا العمل، وصار واحداً من فناني الخزف المتميزين· وهو يحاول من خلال تصاميمه التركيز على الألوان مستعيناً بالأشكال البسيطة ليبرز مهاراته، فيجعل قطعة الخزف متناسقة ومنسجمة، حتى وصل إلى مرحلة صار بإمكانه فيها ابتكار الألوان والتجديد فيها· وهو يصر على أن تكون قطعة الخزف المنتجة صالحة للاستعمال كما هي للزينة· ولهذا فإن أعماله الخزفية تتميز بأنها ذات أبعاد جمالية وصالحة للاستعمال في الوقت نفسه·
في سوق الحرف اليدوية في التكية السليمانية بدمشق حيث يمارس راجي حرفته وفنه، قصدته 'دنيا الاتحاد' لتتقصى معه تفاصيل مهنته، وأسرارها المختلفة·
يقول راجي: أحاول أن تكون معروضاتي، ذات شكل بسيط وجميل، وأن تكون مائلة إلى الطبيعة في ألوانها· كما أنني أحبذ صنع القطع الخزفية الصالحة للاستخدام وليس الجمالية فقط· وهو بهذا يحاول أن يجمع بين الوظيفتين معاً، فتكون القطعة صالحة للاستعمال، وجميلة المنظر في آن·
ويبين لنا أن جميع منتجات الفخار تسمى عملياً (الخزف)، وله ثلاثة أنواع فهناك: الفخار العادي أو البورسلين أو السيراميك· أما المادة التي يعمل عليها هو فهي (فخار السيراميك) لأن البورسلين غالباً ما يحتاج إلى مواد وألوان وأشكال خاصة لا تتوفر بسهولة· ويعرف لنا فخار السيراميك بأنه (فخار مشوي) بدرجة حرارة معينة· كما أن ألوانه مشوية، وهو ما يتطلب خبرة كبيرة في مجال الألوان· حيث يشوي الفخار أولاً، حتى تأخذ العجينة شكلاً بسيطاً، ثم تضاف إليها طبقة الفليس، ويتم شواؤهما معاً·
مفاجأة مدهشة
وعن السر وراء اختلاف الشكل الخارجي للسيراميك بحيث يبدو أحياناً وكأنه زجاج أو معدن، يكشف راجي لنا أن طلاء السيراميك على الخزف هو الذي يعطي القطعة شكلاً زجاجياً· وهذا الطلاء يسمى (طلاء الزجاج)، أما طلاء الخزف بأكاسيد معدنية من الخارج، ووفق مقادير معينة، فيعطيها الشكل المعدني المعتق، حتى أن ملمسها يبدو معدنياً· ويبدو هذا العمل أقرب إلى المغامرة، لأنه يحتاج إلى خبرة في اختيار الألوان، بما يتناسب مع فكرة القطعة، لأن لكل فكرة ألواناً معينة· ورغم وجود مقادير ومعايير محددة، فإنه لا يمكن ضمان النتيجة بعد الشوي، لأن الخزف يفاجئنا بنتائج غير مضمونة، وغالباً ما تكون مدهشة وجديدة·
ولكن ما هو الجزء غير المضمون في صناعة الخزف اليدوية؟ وكيف يؤثر الشوي على الألوان؟
يوضح لنا الفنان (راجي إلياس) إنه ليس هناك قطعة خزف تشبه الأخرى بعد خروجها من الشوي، رغم أن المواد المستخدمة واحدة، ورغم أنها تتعرض لدرجة حرارة واحدة· فهناك ألوان تفسد رغم أن كل لون يحتاج إلى درجة حرارة معينة· وهنا تبرز مغامرة عدم الالتزام بدرجات حرارة محددة، وهو ما يعطي الشكل ألواناً غريبة غير عادية وخارقة أحياناً· لكن هذه المغامرة ( مغامرة اللون والحرارة) لا يمكن خوضها إلا بعد خبرة طويلة فقط، وإلا فسد كل شيء· لأن الخزف لا يتقبل الخطأ أو الهفوة·
لعبة الشكل واللون
تعتمد الألوان في صناعة الخزف اليدوية على طبيعة الشكل وحجمه، فهو يتطلب أحياناً الألوان الغامقة، وأحياناً الفاتحة، فالقطعة المدورة الصغيرة تحتاج إلى ألوان فاتحة، بينما القطعة الكبيرة ذات الثقل والفخامة تتطلب ألواناً غامقة، وفي بعض الأحيان ـ يقول راجي ـ نكسر حدة القطعة بإدخال ألوان متناقضة عليها، أي إذا كانت ألوانها غامقة وقاسية، نوشحها بألوان فاتحة· كما أن لون كل قطعة خزف يعتمد على شكلها وطريقة استخدامها· وبشكل عام فإن الألوان الفاتحة تلائم الخزف الجمالي الموظف للعرض في البيوت· كما أن استخدام الألوان الطبيعية يبدو محبباً، لأنه يمنح البيوت رونقاً أجمل·
لكن هل هناك ألوان لا يستطيع الفنان استخدامها في الخزف؟
يقول راجي: أنا ضد استخدام الألوان بعشوائية في قطعة الخزف، إلا إذا اعتمدت على خبرة طويلة· وإذا كانت الألوان العشوائية تنجح أحياناً، فإن نجاحها يكون بالمصادفة، وقد لا يتكرر هذا النجاح· وأنا أعتبر أن النتائج غير مضمونة دائماً في العمل على الخزف، لأنك قد تطبق المعايير نفسها في اللون ودرجة الحرارة، فيأتي الشكل مشابهاً للشكل الآخر الذي صنع بالأسلوب نفسه، لكنه لا يكون متطابقاً معه·
إن صناعة الخزف اليدوية تمر بثلاث مراحل أولها تكوين الطينة ثم إدخال الألوان المناسبة لها، والمرحلة الأخيرة هي (الشوي)· ويوضح راجي هذه المراحل فيقول: إن كل طينة تتطلب لوناً معيناً، وهي تعطي تفسيراً مختلفاً للألوان التي تحملها، فكلما كان الشكل بسيطاً كان اللون بارزاً أكثر·
الخزف والطبيعة
لا تبدو رسومات راجي على الخزف بعيدة عن الطبيعة· فهو يضيف مواد معينة تعطي الخزف شكل صخرة مثلاً· وأحياناً يمنحها ألوان الربيع أو الخريف· وقد يرسم ورقة خضراء أو وردة أو غصن شجرة على عمله كي يكمل فكرته، يقول: إن رسمي لأشكال معينة على لوحاتي الخزفية أو أرضيات أعمالي ما هي إلا تذكير بالطبيعة، ونوع من الإيحاء للمستخدم بالوظائف التي يؤديها الخزف·
ويميل راجي في صناعته اليدوية للخزف إلى الشكل البسيط، لأن الشكل المعقد سيعطي القطعة شكلاً غير مريح لا سيما إذا أضيفت إليه ألوان معقدة! ويقول إنه يصنع قطع خزفية جميلة بهدف استعمالها منزلياً، لتكون جزءاً من أواني طاولة الطعام· وهو يتمسك بهذه الفكرة، ويشدد عليها· ويضيف: (أفضل الجمع بين الغاية الجمالية، وهدف الاستعمال، فالطعام يكون ذا نكهة مختلفة عندما نقدمه بأطباق جميلة وفنية، وفي رأيي إنه يجب الاستفادة من جمالية القطعة (الأطباق) لفتح الشهية· وبجعل مائدة الطعام موسماً جمالياً يومياً)· وهو يرى أن قطعة الخزف أكثر قابلية لاستخدامها في المطبخ· وهو يخالف الذين يرون أن القطع غير الجميلة تخصص للاستعمال، بينما تنفرد القطع الجميلة بالتزيين، من خلال العرض (العمد)· ويرى أن مهمة الخزف هي التحريض على استخدامه· كما أنه يرفض تقسيم الخزف إلى نوعين: جمالي وآخر استعمالي، ويفضل أن يدمج الوظيفتين معاً، ليكون الخزف جميلاً، وقابلاً للاستخدام اليومي في حياة الناس·
الموضة والألوان
يركز راجي في هذه المرحلة من تجربته على اللون الأحمر، ويقول: إنه يتحداه، لأنه من أكثر الألوان صعوبة· فهو حساس جداً بالشي، ولا ينجح بسهولة· كما أنه من الألوان اللافتة الجذابة للنظر بالدرجة الأولى· كما يتميز بأنه يميل إلى نوع من البريق المعدني بعض الشي·
ويبتعد راجي عما يسميه بالموضة، ويرى أنها ليست جزءاً يقتبس، بل هي إبداعات فنانين في وقت واحد· ورغم أنه ليس من متابعي الموضة لكن كل خواطره التي ينفذها في أعماله، تصبح (موضة) وإذا به يلتقي من خلالها مع المبدعين في أماكن أخرى·
ويرى أن الاتجاه في عالم الخزف اليدوي اليوم يتجه نحو الأطباق البسيطة التي تركز على اللون، وبما يتيح أن تكون جميلة صالحة للعرض التزييني، وصالحة للاستخدام أيضاً· ويتفاءل راجي لأن الخزف الذي كان مهملاً في السنوات القليلة الماضية، عاد ليمثل مكانته في البيوت، بفضل شكله الفني الذي أغرى الناس باقتنائه· إلا أن غالبية من يقتنون الخزف لازالوا غير مقدرين لأهميته الفنية، لأنهم لا يدركون أن صناعة الخزف اليدوي تعبر عن قراءة مميزة، تختلف عن صناعة المعامل· لكن الأجانب ولا سيما الأوروبيين منهم يدركون قيمة هذا (التفرد) لقطعة الخزف المصنوعة يدوياً، وهم يقدرون هذه الأعمال تقديراً كبيراً·
تعلم راجي إلياس صناعة الخزف اليدوية على يد السيدة (إيميلي فرح) في سوق المهن الحرفية في التكية السليمانية بدمشق· وهو يرجع حبه للخزف إلى حبه للطبخ (!) لا سيما وأن كليهما يحتاج إلى الفرن· ويقول: لم يحدث أن قابلت صانع خزف، إلا وكان محباً للطبخ· وبعد قراءتي لكتاب فن الخزف اكتشفت من جديد أن للفرن الرأي الأول والأخير في فن الخزف وفن الطبخ!

اقرأ أيضا