صحيفة الاتحاد

دنيا

«البرستيج».. أزمة ثقة في نفوس الشباب

أبوظبي (الاتحاد)

تحولت ظاهرة «البرستيج» والرغبة في التفاخر بالسيارات والساعات والعطور وماركات الملابس إلى نوع من الإدمان يلهث وراءه الشباب ويتنافسون فيه، بهدف التعالي والزهو بين بعضهم أو نشر صورة على تويتر أو فيسبوك مع السيارة الفارهة أو الساعة باهظة الثمن، ليؤكد المتخصصون ضرورة اتخاذ وقفة مع النفس والالتزام بتعاليم الدين التي ترفض الإسراف والتبذير، والتوعية بمخاطر التباهي وعدم الادخار.
أفضل علي، الموظف ذو الراتب المرتفع الذي يتمناه الكثيرون، إلى صديقه أحمد وهما يستقلان سيارته الفارهة، التي يمتلك غيرها واحدة أخرى لا تقل عنها فخامة، بأن عدوىَ التظاهر بينه وبين وزملائه، هي التي جعلته يشتري السيارتين، رغم سعرهما الباهظ في ظل التزاماته المالية تجاه أسرته باعتباره عائلها الوحيد، ودفعته تلك الضغوط لاستئجار غرفة صغيرة في الطابق الأول بإحدى فيلات أبوظبي، لا يتجاوز إيجارها 2000 درهم شهرياً، يقضي فيها معظم ليالي الأسبوع أثناء دوامه في أبوظبي، قبل عودته إلى مدينة العين في عطلة نهاية الأسبوع.
وأضاف أن ما يدفعه إلى ذلك أن الكثيرين من أصدقائه الشباب، يمارسون نفس السلوك، ويسعون إلى إقامة حفلات الأعراس المبهرة واستخدام أفخم الماركات، سواء السيارات أو العطور والساعات وغيرها من المقتنيات، بشكل مَرَضي أحياناً، لأنهم يحبون امتلاك الأشياء باهظة الثمن على الرغم من وجود بدائل بأسعار معقولة.

تعويض النقص
ويرى محمد طالب الهندسة، أن المباهاة مرض اجتماعي منتشر هذه الأيام، ومرجع ذلك في كثير من الأحيان، شعور الفرد بوجود عيب فيه يشعره بنقص في شخصيته مقارنة بالآخرين، وأنه أقل منهم شأناً، مما يدفعه لتعويض النقص بالتفاخر والتظاهر والتباهي، والتي تدل على فقدان الثقة واضطراب الشخصية.

التظاهر والتباهي
ويقول طارق إن أغلبية الشباب يلجأون إلى التظاهر والتباهي والسيارات والساعات والملابس الفاخرة وكأنها سترفع من قيمتهم الاجتماعية، يرتدونها ويشترونها لنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إن اضطروا لقرض لا يمكنهم سداده، ولفت إلى أن هذا كله بسبب انتشار ظاهرة «البرستيج»، التي يصفها بأنها «مخدرات» هذا العصر، وأضاف: أن كلام الناس هو الدافع الرئيس لهذه الأفعال، لسخريتهم من بعضهم وتفاخرهم بين بعضهم بالأشياء الرمزية التي لا ترتقي بالإنسان.
وأشار أحمد «20 سنة» إلى أن هناك عدة أسباب تدفع الشباب لذلك، فقد يقوم بعضهم، بالمباهاة والتظاهر ظناً أنه يجذب الانتباه أو أن هذا الفعل يزيد المكانة الاجتماعية التي يبحثون عنها غير مدركين أن نجاح الشخص بعيد عن هذه الأساليب، ومن الوسائل التي يتخذها للبعض للتظاهر وحب التفاخر.

آفة اجتماعية
ومن واقع خبراتها مع شرائح واسعة من الشباب، تقول الدكتورة نوال الكتاتني، الخبيرة في مجال التنمية البشرية، إن المباهاة وحب الظهور والتفاخر على الآخرين، من الآفات الاجتماعية، خاصة لفئة الشباب، باعتبارهم أكثر عناصر المجتمع حيوية وتفاعلاً، وبصلاحهم واتخاذهم سلوكيات سوية بعيداً عن المغالاة، ينصلح حال المجتمع، وتقل فيه الأضرار الناجمة عن ميل البعض إلى الزهو بما يمتلك أو بما ينفق، حتى لو كان ذلك فوق قدراته الحقيقية، ما يؤدي به إلى كوارث ومشكلات متنوعة، وتؤثر في استقرار حياته بشكل سلبي، بينما تمضي سفينة الحياة بالآخرين، ممن تباهى عليهم، في هدوء بعيداً عن تلك التقلبات الناتجة عن عدم الثقة بالذات والسعي إلى إكمال هذا النقص عبر المبالغة في الإنفاق أو في الأمور المظهرية التي لا طائل من ورائها.
وعلاج هذه الآفة يكون بالمواجهة الصريحة مع النفس، والاعتراف بالسلبيات والعيوب، والعزم الأكيد على التغيير، مع إبراز دور الأسرة وتعزيزه في تربية الأبناء التربية السليمة من خلال توجيه سلوكياتهم ومتابعتها، بالإضافة إلى ضرورة تحديد الوالدين مدى حاجة الأبناء منذ صغرهم حتى يعتاد الأبناء على استهلاك ما يحتاجون إليه فقط بلا إسراف أو تبذير، مع تسليط الضوء على الاهتمام بتوفير مناهج تربوية وتعليمية تعمل على بناء الأجيال المتمسكة بالأخلاق الفاضلة، وتدريس وموضوعات حول نبذ الدين الإسلامي لهذا السلوك الخاطئ، وضرورة إبراز دور المؤسسات الدينية في توعية الشباب بمخاطر التباهي، قيام المراكز البحثية بإجراء الدراسات المتعمقة لرصد الظواهر الاجتماعية والسلوكيات المستجدة الناتجة عن هذه الظاهرة السلبية.