صحيفة الاتحاد

دنيا

رسالة بقلم مكسور



من غير الواضح تماما كيف تسربت هذه الرسالة إلى بريده الإلكتروني· عندما قرأها التبست عليه الأمور، إذ تنطوي الرسالة على تشابهات مفزعة· حاول تحري مسارها، فاختلطت الوقائع أكثر عندما اكتشف تشابها إلى حد التطابق بين عنوان المرسل، وعنوان المرسل إليه· فمن الذي يمكن أن يكون قد كتبها وأرسلها إليه، أم أن الرسالة كتبت نفسها بنفسها، وانزلقت إلى عنوانه الإلكتروني كمثل انزلاق شهاب في كبد سماء معتمة؟
لعل من يقرأ الرسالة يعرف الإجابة:

عزيزي،
سلام على ما قد ذهب، وسلام على ما هو آت،
كنت أتصفح ما كتبته خلال الأشهر الماضية· لم أصدق نفسي، هل هذا أنا؟ هل بلغت مني التحولات الإنسانية هذا المبلغ؟ هل يمكن أن أكون هكذا متدفقا، متفجرا، حميما؟ ألم يكن لشيء أن يوقفني، أن يفرمل اندفاعتي؟ ألم تقف في وجهي كلمة، حركة، التفاتة، انتباهة، تقول لي: يا ولد ستوب···
لماذا لم يساورني، كعادتي، شعور الخوف من المستقبل؟ لماذا لم أتردد؟ لماذا لم انكص على أعقابي لاعنا حجر الصوّان الذي سمرته الأيام في صدري، وجعلته التجارب ينزّ وينزّ، بطيئا ولكن بلا توقف؟ وهل ينزف الحجر؟؟؟ نعم، ينزف، وينكسر، ويتفتت· هل أبحث عن مثال؟ ليتني أمتلك شجاعة رجال الهيراكيري اليابانيين·
ذهبت ليلة أمس إلى واحد من ملاجئ الضجر التي كانت تحتويني في أيامي السابقة· ياه! كم طال الزمن· عمر؟ دهر؟ أهكذا أصبحت الأمكنة في غيابي أم أنا الذي تغيرت؟ لقد شعرت لأول مرة بأني منبوذ في هذا المكان، لم أكلم أحدا وأشحت بوجهي عن كل من حاول الإقتراب مني· هل هم الذين نبذوني أم أنا الذي انتبذتهم؟ ليس مهما الجواب، لكن المهم هي النتيجة: لم أعد أنتمي إلى هنا···············ك
عدت من هناك إلى هنا، أحمل ما تبقى مني، وأبحث عن ملجأ يتسع لما أحمله، وهو بالمناسبة ثقيل كجثة قتيل وخفيف خفيف كريشة تائهة، كورقة انمحى عنها الكلام، كنقطة حبر جفّ مدادها، كوردة ذابلة، يابسة تذروها رياح عاتية··· بحثت، عند كل الجدران الصلدة، الصامتة، المصمتة، في شوارع أبوظبي الخاملة بعد منتصف الليل، على الكورنيش الخالي إلا من آثار أقدام العابرين وخفقات ذرتها الخوافق مع ريح البحر، ولي منها الكثير· لم أجد، فشلت، هي خيبة أخرى، هو بحث ضائع عن معنى ضائع· هل هي لعنة المكان، أم هو عقم الجغرافيا، أم أنا الذي أصبحت خارجا عن كل مكان وكل جغرافيا؟
ليتني أعرف، قبل أن يحتويني ملجأ الجنون، وهو الملجأ الذي استقبلني بترحاب طيلة دهر· فيه مارست جنوني بنزق، بإبداع، باحتراف، بقدرة على التحكم، أتمدد حيث ينبغي وأنكمش عندما يصبح الانكماش وسيلة العيش الوحيدة· أما اليوم فإني أخاف من هذا الجنون، أخشى على نفسي منه، أخاف أن أتمدد وأن أنكمش· أنظر إلى المكان، إلى الجغرافيا، فأجد فوهة وحشية تلفظني أحيانا وتجذبني في أغلب الأحيان· كأن جرس غربة رابعة يدق، هل هذا هو الجنون الحقيقي، أم هو مجرد تمرين على الاستقالة من تحري الصواب؟
نعم، أنا خائف· مرعوب·
كان صديقنا الشاعر المعدم شريف (···)، يقول إنه لا يستحي من الاعتراف بأنه جبان، لأن الجبن هو شعور إنساني مثله مثل الشجاعة· لذلك فهو عاش يحمي بجبنه خياراته الوطنية والسياسية، مع الحفاظ على نبل لا يضاهى في علاقاته الإنسانية وأعماله الإبداعية· لماذا أستذكر شريفا الآن، هل لأنه جاهر بجبنه في الحياة، وأظهر شجاعة لا مثيل لها على فراش الموت؟ نعم، لقد تحدى شريف المرض المفاجئ، القاتل، واستقبل الموت وهو يترنم ويتبسم·
نعم، أنا خائف· مرعوب·
أخاف على نفسي من شطحة جنون، وأخاف على من أحبهم من دفقة عقل يصبح حين يتمادى أقرب إلى الجنون·
والسلام، نقطة ختام


عـادل علـي