صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

التراث.. جمع في صيغة مفرد

لوحة بعنوان «جميعهم قيدوا» (أرشيفية)

لوحة بعنوان «جميعهم قيدوا» (أرشيفية)

شذريات
عبد السلام بنعبد العالي

«أحدهم، إذ انفصم الحبل الذي يشده إلى التراث، اكتشف الماضي من جديد... فاستعاد الفكر حيويته، وتمكن من استنطاق الذخائر الثقافية للماضي، تلك الذخائر التي كنا نعتقد أنها ماتت، وها هي الآن تقدم لنا أشياء تخالف أشد المخالفة ما كنا نعتقده».
حنة آرندت

كتب هايدغر في «تجربة الفكر»: «يظل الأقدم في كل ما هو قديم يلاحقنا، ولا بدّ أن يدركنا».
***
ليس التاريخ مجرد حركة صيرورة تقدمية يتجاوز فيها اللاحق السابق، وإنما هو، على العكس من ذلك، حركة حاضر يمتد بعيداً نحو الماضي، ولا يكون تذكراً له فحسب، وإنما تنبؤ واستقبال.
***
ليس التراث مفهوماً زمانياً، وهو لا يتطابق ونمط الزمان الماضي. إنه «ليس شيئاً مضى ولا موضوعاً من موضوعات الوعي التاريخي». وهو لا يوجد وراءنا، وإنما «يجيء صوبنا لأننا معرضون إليه ولأنه قدرنا».
***
لسنا على مسافة قريبة ولا على مسافة بعيدة من أصولنا الفكرية.
***
التراث يعنينا ويهم حاضرنا «فيما ينطوي عليه من غموض وما يقوى عليه من طاقة مستقبلية».
***
كتب بارث: «سننطلق من القطيعة المعاصرة الكبرى، ونجعل من التحوّل الذي نعيشه مركزاً، ونصدر عنه كي نجعل تاريخنا الفكري ينتظم حوله. على هذا النحو سنتكلم عن ماضينا انطلاقاً من لغة الحاضر، بل انطلاقاً من لسان الحال».
***
كتب هايدغر: «يقتضي ذلك أن يحرّر الفكر الذي نقل إلينا، فيتمكن من العودة إلى ما اختزن فيه: إلى هذا الذي لم ينفك عن الوجود، هذا الذي يهيمن على التراث منذ بداياته وكان دوماً أسبق منه، دون أن يفكر فيه مع ذلك بوضوح، ودون أن ينظر إليه كأصل».
***
البدايات ليست هي الأصول. البداية هي الغلاف الذي يحجب الأصل ويغلّفه.
***
الأصل لا ينفك عن الابتداء. إنه يظهر بحيث يسبق كل ما يحدث، وهو لذلك يأتي لكي يقترب منا ككائنات غارقة في التاريخ.
***
كتب جان بوفري:«الفجر يظل معتماً بالنسبة لذاته من حيث هو إشراقة أولى، ويأتي الأفول والمغيب كي ينكشف الفجر في حقيقته التي كانت محجوبة».
***
في استذكار الأصول لا نكون بصدد البحث عن التأثيرات والاستمرارات، عن الاتصال والدوام: دوام الأرض التي نحيا عليها، واللغة التي نتكلمها، والمدينة التي نقطنها، والفكرة التي نعتقد حقيقتها.
***
نحن، إذ نعتقد أن حاضرنا يستند إلى ضرورات قارة ومقاصد عميقة، نلجأ إلى التراث تزكيةً لهذا الوهم بالخلود، وإثباتاً لـ النحن وصيانة له.
***
لا يتعلق الأمر بدخول متحف لاقتناء أشيائه الجميلة، ولا باستعراض أحقاب للوقوف عند لحظاتها المشرقة، ولا بإبراز المفكرين الذين كانوا يساراً ضد كل يمين.
***
التراث: جمع في صيغة مفرد.
***
كتب هايدغر: «إن التراث الذي يفرض سيادته، بعيدا عن أن يسمح بإدراك ما ينقله، فإنه غالبا ما يساهم، على العكس من ذلك، في تغليفه وحجبه. وهو يحطّ من محتواه، ويجعل منه مجرد بداهات، فيحول دون بلوغ المنابع الأصلية التي نهلت منها المقولات والمفهومات التقليدية في جزء منها على الأقل».
***
لن تجدينا هنا بطبيعة الحال النظرة التأريخية الساذجة Historisante التي تقتصر على تبويب الحقب ورصد المدارس الفكرية، وتقسيم الملل وتصنيف الفرق. علينا أن نرتقي بالعلاقة التاريخية إلى مستوى الوجود التاريخي الأصيل Historial حيث لا نكون، كما كتب هايدغر: «لا على مسافة بعيدة ولا على مسافة قريبة من موروثنا، وإنما نكون بالنسبة إليه في التيه والضلال».
***
ليس التراث هو التقليد: التقليد يسجن التراث ضمن قوالب جاهزة، ويحنطه داخل تأويل متوارث .
***
تقصّي الأصول لا يؤسّس، إنّه يربك ما ندركه ثابتا، ويحرّك ما نفترضه ساكنا، ويجزّئ ما نراه موحّداً، ويفكّك ما نعتبره متطابقاً.
***
وحده الفكر القادر على خلق الانفصال هو الذي يستطيع أن يعيد الوصل، ويتمكن من استعادة الذخائر التي حجبها الماضي.
***
التراث موشوم على أجسادنا، عالق بآذاننا، منقوش على جدراننا، حال في لغتنا، مكبوت في لاوعينا.
***
سؤال التراث: كيف تشكلت ذاكرتنا وكيف أرسيت دعائمها وترسخت أصولها وحُدّدت نماذجها؟
***
لا تفتأ المعاني تجيء صوبنا في الوضوح الغامض لما سبق أن قيل.
***
مقابل التاريخ- الذاكرة، علينا أن نقيم ذاكرة مضادة (une contre- mémoire).
***لا يتعلق الأمر «ببعث نفس خالدة» تحيا عبر السّنين، وإنّما، على العكس من ذلك، «بإبراز نفوس فانية» تظل مكبوتة مقموعة تحت ضغط الشكل الذي يفرض به التراث سيادته. فهذا الشكل، بعيداً عن أن يسمح بإدراك ما ينقله، فإنه غالباً ما يحوّله إلى تقليد راسخ، ويجعل منه مجرد «بداهات»، أي حواجز تخفي ذاتها بظهورها.