أرشيف دنيا

الاتحاد

الأبوان وراء فقدان السيطرة على الأطفال


ترجمة وإعداد ـ ميسون جحا:
كثيرة هي المشكلات التي تحتاج منا إلى الصراحة في التعاطي معها، بل إن بعض المشكلات تتطلب منا أن نقف وقفة صارمة مع أنفسنا، وأن نقسو عليها أحياناً لأننا نكون السبب فيها بوعي أو من غير وعي· ولا شك أن المشكلات التي تواجهنا مع أطفالنا هي في غالبيتها من هذا النوع، أي أننا مسؤولون بشكل أو بآخر عن وجودها وتفاقمها وعلى الرغم من أن الوالدين يؤثران بشكل كبير في سلوك الأطفال ومواقفهم واستجاباتهم المختلفة تجاه شؤون الحياة، وما يحدث حولهم، إلا أن الكثير من الدراسات تهمل دورهما عندما تعالج موضوعات سلوكية تبدو مألوفة الحدوث مثل: الشقاوة، الكذب، ضرب الإخوة، الشجار المستمر وغيرها· لكن تانيا بايرون الإخصائية النفسية في جريدة التايمز اللندنية تقف في الجهة المقابلة، وتنحو في كتابها الجديد الى التركيز على دور الآباء والأمهات في مثل هذه المظاهر، وتعتقد أن اللوم ربما يقع عليك إذا كان أطفالك دائمي الصياح والبكاء والشكوى·
كيف؟
الإجابة يمكن تتبعها في هذه المقتطفات التي اخترناها من الكتاب لأننا رأينا أنها ربما تقدم أفكارا مفيدة في التربية وتساعد عددا من الأسر على التعامل مع سلوكيات سلبية تصدر عن أطفالهم ولا يعرفون كيف يمنعونها، وهي توجه كتابها للأمهات خاصة، لأنهن أكثر قربا من الأطفال، ويقضين معهم أوقاتا أطول·· فماذا تقول بايرون؟
تقدم تانيا بايرون نصائحها على شكل أمثلة تطبيقية وتقول في الفصل الأول من الكتاب: 'تعاني الأمهات عادة من متاعب عديدة مع أطفالهن، وكثيرا ما نسمع إحداهن وهي تشتكي لأمها أو لصديقتها وتقول 'ابنتي ترفض تنفيذ كل ما أطلبه منها'· وتقول أم أخرى 'مهما كررت مطالبي، لا يستمع إلي· أكاد أفقد أعصابي'·
يحتمل أن تكوني من الأمهات المهتمات بقراءة هذا الموضوع، لأنك تواجهين أيضا مشاكل في التعامل مع أطفالك· وربما لا تكونين على دراية بالأخطاء التي تقعين بها، لكنك تشعرين بعجزك عن التفاهم مع الصغار، ويحتمل أن يتملكك شعور بالفشل والإرهاق· وربما تتساءلين عما إذا كان طفلك بحاجة لمساعدة من قبل اختصاصي في التربية·
إذا كان هذا هو الحال، فأنت في موقف مشابه لعدد كبير من أرباب الأسر الذين اتصلوا ببرنامج الملائكة الصغار (وهو سلسلة قدمتها هيئة الإذاعة البريطانية واستند الكتاب على معلومات وردت فيها)· كان أرباب تلك الأسر قد جالوا على عدد كبير من الخبراء في تربية الطفل، وقرأوا كل ما وقعت عليه أيديهم من كتب، وتحدثوا مع أصدقاء وأقارب· وقد شعروا، كما هو حال عدد كبير من الأشخاص الذين يسعون لأخذ المشورة من الكتب أو الاستماع لنصائح آخرين بأنهم بذلوا كل ما في وسعهم دون جدوى·
لكن محاولة إجراء تعديلات مع أطفالك تستغرق وقتا وجهدا· والسرعة في التعامل مع مشكلة ما دون تفكير أو تخطيط لا تقود سوى للفشل· ومن الطبيعي أن تكون لديك رغبة للبدء في حل المشكلة على الفور، ولكن من المهم أولا فهم ماهية المشكلة ومن هم أصحابها·
إذا كنت راغبة في ممارسة دور الأم المؤثرة، أنت بحاجة لمعرفة كيف تؤثر آراؤك ومعتقداتك حول ذاتك وطفلك على هذا الأمر· تقود معتقداتنا أفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا· والمعتقدات السلبية تؤدي لتجارب سلبية وإلى انعدام الثقة في النفس· فإذا تولد لديك اعتقاد بأن طفلك وحش، سيكون كذلك·
تجارب مفيدة
وإذا ساورك خوف من إساءة طفلك للتصرف، وتجنبت عندها الحالات المتوقع حدوثها، تكونين في الواقع قد زدت المشكلة تعقيدا، لأنك حرمت نفسك وطفلك من أية تجربة مفيدة في تعلم السلوك المناسب· ولو كنت فاقدة للثقة والإيمان بالذات، فإن قلقك سينتقل لطفلك، ويدفعه لإساءة السلوك·
لكي يكتسب طفلك السلوك الإيجابي، المطلوب منك بداية تبني مزيدا من الأفكار الإيجابية عنه، وعنك كأم، وهذه هي النقطة الأكثر أهمية· سيتغير سلوك طفلك إذا كان لديك اعتقاد بأنك كأم قادرة على تغيير سلوكك أولا·
هذا الرأي يبدو وكأننا نقول بأن الخطأ كله يعود إليك، لكن من الضروري توضيح هذه الفكرة·
أولا، لا يتصف أي شخص بالكمال، ولو كنا كاملين، لشب أبناؤنا وعندهم أفكار غريبة حول العالم· يجب أن يشهد أطفالنا على أخطائنا لكي يتعلموا مهارات معيشية أساسية·
ثانيا، لو بدأنا في تقبل فكرة أننا، وليس طفلنا، مصدر المشكلة، يصبح من الأسهل تقبل فكرة أننا بحاجة لتعديل سلوكنا، ونتيجة لذلك سيتغير سلوك طفلنا·
ثالثا، كلما سارعنا في الكف عن اعتبار طفلنا مصدر المشكلة، كان أسرع في الابتعاد عنها·
الغالبية العظمى من الأسر التي اتصلت بنا طلبوا المساعدة في تقويم سلوكيات، وخاصة نوبات الغضب والعدوانية· وأما المشاكل الأخرى الأكثر انتشارا، فهي القتال والتحدي والنوم والتمرد وتناول الطعام، فضلا عن المشاكل العاطفية، وخاصة التوتر وضعف تقدير الشخصية· لكن إلى أي مدى يصل تأثير تلك السلوكيات السيئة؟
لا يدري عدد كبير من الأهالي ما ينتظر أطفالهم· على سبيل المثال، معظم الأطفال يتذمرون ويشتكون، ويرفضون القيام بما يطلب منهم· ويتشاجر معظم الأشقاء ويتناحرون ويصيحون ويتبادلون الاتهامات· ويتمتع عدد كبير من صغار الأطفال بقوة الإرادة، ولديهم قدرة على إظهار نوبات غضب أكثر من مرة يوميا· ولذا من المفيد الأخذ بعين الاعتبار فيما إذا كان سلوك الطفل في مختلف الأوقات طبيعيا· إن قيام طفل في الثانية من عمره برمي نفسه على الأرض والصياح غضبا، هو سلوك شائع في تلك السن، ولكنه ليس طبيعيا بالنسبة لطفل في السادسة·
من المهم أيضا تذكر أن الأطفال يأتون حاملين شخصياتهم، وهي التي تؤثر على سلوكهم· فشخصياتنا تعتمد على جيناتنا والبيئة التي نشأنا فيها· يضاف لذلك، الفروق الجنسية، وترتيب المواليد في الأسرة الواحدة، وتجارب المرحلة الأولى في الحياة·
الولد الشقي
لم تكن علاقة تيريسا ايشيروود بطفلها الأول، دومينيك، طيبة· اتصلت وزوجها آدم ببرنامج 'الملائكة الصغار' لأنهما شعرا بأن ابنهما عانى من مشاكل سلوكية حادة، فقد كان متحديا ومن الصعب التعامل معه· منذ البداية، بدا واضحا أن دومينيك طفل عادي حيوي في السادسة من العمر، ولا يعاني من مشاكل في السلوك· وفي حقيقة الأمر، ومع الأخذ في الاعتبار معاناة الأم تيريسا سابقا من الاكتئاب، وأن الأسرة غيرت منزلها أكثر من عشر مرات منذ ولادته، بدا سلوك دومينيك عاديا· إذن أين تكمن المشكلة؟
تكمن في نظرة آدم وتيريسا لابنهما ولنفسيهما كأبوين· نظرت تيريسا إلى دومينك باعتباره الولد الشقي في الأسرة· ووجدت أن التعامل مع أخوته أسهل بكثير، حتى أنها شعرت بأنها تحبهم أكثر من حبها لدومينيك· ولأنها وضعته في خانة ' الولد الشقي'، بحثت دوما عن أخطاء في سلوكه حتى إن الأمر وصل بها لدرجة أن تعتبر شجارا ولعبا بريئا مع إخوته نوعا من القتال العنيف·
احتاجت تيريسا وزوجها آدم لمن يساعدهما على الاعتراف بأن أفكارهما السلبية حول ابنهما كانت هي السبب فيما ظناه مشكلة سلوكية عنده· لكن توجب عليهما أيضا التفكير في طبيعة شعورهما تجاه نفسيهما· لكونه طفلا اجتماعيا ومحبوبا، تحدى دومينيك معتقدات أبويه السلبية بشأن الاختلاط بالناس، وكلما أمضى وقتا أطول مع أصدقائه، زاد قلق أبويه مما دفعهما للاقتناع بأن سلوكه يخلق المشاكل·
الملائكة الصغار
بعد زيارتها الأولى لبرنامج 'الملائكة الصغار'، قالت آليف حسين: 'خشيت أن تقول لي تانيا أني أم سيئة'، هذه المخاوف كانت مؤشراً على آليف تعلم في قرارة نفسها أين تكمن جذور المشكلة· مع ذلك، كانت آليف أبعد ما تكون عن صفات الأم الفاشلة· فقد وجدت صعوبة في رعاية طفليها آيلا، وعمرها 3 أعوام، وايسن، وعمره 18 شهرا· أبدت آيلا عدوانية وتحديا، وتكررت نوبات غضبها العنيفة· كما أنها لم تنم قط في سريرها· وكانت آليف، وهي حامل في الشهر الثامن بطفلها الثالث، مرهقة، وتعاني من مرحلة توتر شديد في علاقتها بزوجها بسبب المتاعب مع أطفالها· قالت: 'لا نستطيع كأبوين السيطرة على البيت'·
ما قالته آليف بشأن عجزها عن السيطرة بدا حقيقيا على المستوى الظاهري، لكن في الواقع، ينبغي إدراك حقيقة بسيطة هي: ما لم تتخلى وزوجها عن الأفكار السلبية القائلة بأن الصغار يسيطرون على المكان، سيستمر الأطفال في السيطرة عليهما·
في فصل آخر من كتابها تقول تانيا براون: 'لو كنت مقتنعة بأنك أم فاشلة، ستشعرين بالقلق والتوتر في تعاملك مع أطفالك· إن الصغار أشبه ما يكونون بباروميتر صغير يقيس الحالة المزاجية، ولذا فهم يتأثرون بمشاعر القلق، وهي تجعلهم قلقين على أنفسهم، ويبدأون في اللعب وإصدار الأصوات للفت الانتباه إليهم· كما أنهم سرعان ما يتعلمون كيف يقرأون مشاعرك·
كما يطلق على القلق وصف القتال أو عرض الهروب، وهو آلية بدائية تكونت في أجسامنا لتساعدنا على النجاة بأنفسنا في حالة التعرض لخطر· إذا وجدت أن سلوك أطفالك أصبح مصدر تهديد، ولم يعد تحت السيطرة، فإما أن تتقاتلين معهم، بواسطة الصياح أو الضرب، أو تنسحبين بعيدا للانخراط في البكاء بسبب المشكلة· كلا الموقفين يرسلان لأطفالك رسالة تقول بأنهم أقوياء، وتجعلهم أكثر عرضة للاستمرار بالتصرف بطريقة تجلب لك التوتر·
وبسبب زحمة حياتنا، نمضي في إصدار الأوامر لأطفالنا وقتا أكبر مما نقضيه في امتداحهم· يحب الأطفال أن نوليهم اهتمامنا وأن لا ننصرف عنهم بعيدا· والأهل هم المصدر الرئيسي لهذا الاهتمام·
إذا كنت تولين اهتماما كبيرا لمشكلة سوء السلوك عند طفلك، فإنك بحاجة أكبر لإعطائه الاهتمام الكافي لسلوكه المحبب· وإذا وجدت صعوبة في تقبل فكرة أنك ربما تكونين مصدر المشكلة، تذكري أن الأطفال يتعلمون منا وأننا نصوغ سلوكهم· وفي نفس الوقت، عليك مساعدتهم على نسيان ما علمتهم إياه، وذلك يتطلب منك جهدا وصبرا واستمرارية· إذا تعود الطفل على الحصول على قطعة حلوى في كل مرة يثور ويغضب، سيتعلم أن الطريقة المثالية للحصول على الحلوى تتم عبر نوبة غضب· إن طريقة التعامل مع السلوك يترك أثرا كبيرا فيما إذا كان ذلك السلوك سيستمر أم لا·
من أجل تعديل مشاكل السلوك عند أطفالنا، المطلوب منا أولا تعديل سلوكنا·

اقرأ أيضا