الاتحاد

دنيا

فتاة المقهى



سعاد جواد:


suad-jawad@hotmail.com

فتاة متوسطة الجمال تتحرك برشاقة بين طاولات المقهى، تؤدي عملها بنشاط ملحوظ بلا كلل أو ملل، تستجيب لطلبات الزبائن من روّاد ذلك المقهى، ومعظمهم من مدخني الشيشة وهم رجال من مختلف الأعمار والجنسيات·
لم يكن هذا المقهى مزدحما بهذا الشكل قبل مجيء الفتيات العربيات الثلاث، ويبدو أن صاحب المقهى فكر بإحضارهن خوفا من الإفلاس وإغلاق المقهى لقلة روّاده·
لم أكترث كثيرا لمقدم الفتيات واكتفيت فقط بالتعليق الساخر للطريقة التي احتال بها صاحب المقهى على الزبائن، فيا لها من طريقة مبتذلة ورخيصة لطلب الرزق·
بعد فترة من الزمن لفتت انتباهي تلك الفتاة النحيلة،لم تكن أجملهن ولكنها كانت أكثرهن إخلاصا في العمل· لم أكن أمنع نفسي من إبداء كلمات الثناء والتشجيع لها، فهي بمجرد مجيئي تترك كل ما في يديها من عمل وتسرع لتلبية طلباتي التي حفظتها عن ظهر قلب·
تعاطفت معها وأنا أجدها تشتكي ضيق الحال الذي دفعها للقبول بمثل هذا العمل غير اللائق بالمرأة لما فيه من مشقة وتعرض لمواقف محرجة من قبل الزبائن· فالكل يتعامل معهن وكأنهن فتيات رخيصات دون تبرير الأسباب التي دفعتهن للقبول بمثل هذا العمل·
كنت أتوقع أنها غير متزوجة لأنها في الثانية والعشرين من عمرها، ولكنها أخبرتني بأنها قد تزوجت مرتين ولها ولدان تعيلهما· استغربت كثيراً لذلك، فهي ضئيلة البنية وتبدو أصغر من عمرها·
أردت مساعدتها بأي شكل فكنت أتعمد وضع بقشيش كبير كنوع من المساعدة غير المباشرة لأنني كنت مقتنعا بأنها إنسانة مظلومة وأنها ليست مسؤولة عما وصلت إليه·
بالتدريج أصبحت أتبسط معها بالحديث وأسمح لنفسي برفع الكلفة بيننا وكأنني أعرفها معرفة تامة وأفكر بأن أجعلها تشعر بالأمان لتخفيف إحساسها بالقهر والغربة· تعاطفت معها لسبب آخر أيضا هو أنها من نفس جنسية زوجتي التي أحبها كثيرا·
لم يخطر ببالي أبدا أن هذه الفتاة البسيطة الطيبة يمكن أن تقلب موازين حياتي كلها رأسا على عقب· إنها أخطر مما كنت أتوقع· ليتني لم أعرفها يوما· لقد أصبحت بفضلها كبالع الموس لا يستطيع أن يهضمه ولا يستطيع أن يتقيأه ولا حل سوى بقائه في الأحشاء يقطعها على مهل شيئا فشيئا·
رجل في سنّي وفي مركزي، هذا هو المطلوب بالنسبة لأمثالها، فهي تعرف كيف تصطاد فريستها بذكاء خارق لا يتناسب مع بساطة شكلها· رجل يحسب ألف حساب لكلام الناس ولسمعته ويخاف على أسرته وعلى كيانه، رجل فقد حماسة الاهتمام وحرارة الحب في أسرته، فغلبه السأم وحاصره الملل والروتين اليومي فصار عرضة للوقوع في الخطأ· هي مراهقة الخمسين والخوف من سن اليأس· ولا يمكنني تبرير فعلتي بكل هذا الكلام، فقد وقع ما وقع ودفعت الثمن غاليا جدا·

اللقاء المنتظر

كانت تلح عليّ أن نتحدث في مكان آخر غير المقهى· أخبرتني بأنها تريد أن تروي لي حكايتها الغريبة ومعاناتها الصعبة، ففكرت بأنه لا مانع من أن ألتقي بها لنتحدث فقط·
التقيتها يوما في مكان عام حسب طلبها، فالت لي إنها بحاجة لإنسان يستمع إلى وجعها، فدفعتني الأحاسيس الإنسانية لسماعها· كانت في إجازتها الأسبوعية، تغدينا معا وجلسنا نشرب الشاي في مطعم على شاطئ البحر· سألتها عن حكايتها، تنهدت بحرقة وقالت: قبل سنوات تزوجت ابن عمي بلا رغبة منّي، كنت في الخامسة عشرة من عمري· حرموني من دراستي وحكموا عليّ بدخول دائرة الجحيم وأنا مازلت طفلة لا أعرف ما معنى الزواج ولا أعرف ما هي مسؤولياته·
ابن عمي هذا شاب سكير فاشل قاسي الطباع وسيء الخلق، أذاقني المر ضربا وتجريحا· يعمل في محل النجارة الذي يملكه والده، يحصل على بعض المال فينفقه على بائعات الهوى وجلسات السكر والمجون، والمال لا يكفي لينفق عليّ، وإذا طالبته بشيء ثار وضربني بقسوة·
صبرت عليه ثلاث سنوات بعد أن رزقت منه بولد ولكن الصبر لم يعد يجدي، فقررت أن أطلب الطلاق لأتخلص منه وأنقذ ولدي من أب لا يصلح للأبوة أبدا·
حصلت على الطلاق بعد معاناة شديدة وعذاب، ولكنني حرمت من ولدي، لأن أهلي رفضوا أن يتحملوا مسؤوليته، وقرروا تركه مع والده رغم علمهم بأنه لا يصلح لمثل هذه المسؤولية، فعشت عذابا من نوع جديد وهو حرماني من فلذة كبدي·
بمجرد أن انتهت عدتي تم الضغط عليّ من جديد وتم تزويجي من رجل كبير في السن من غير جنسيتي فذهبت معه إلى بلده وعشت نوعا جديدا من العذاب· رجل بخيل شحيح له زوجة شرسة وأولاد كأنهم وحوش أذاقوني أصناف العذاب التي لا تخطر على البال، صبرت وتحملت كي لا أطلق من جديد فيتهمني الجميع بأنني إنسانة فاشلة لا تجيد التعامل مع الزوج ولا تستطيع التكيف مع ظروف حياتها·
رزقت بولد واحد، حاولت أن أعوض به نفسي عن حرماني من ولدي الآخر وحنيني الكبير له·
بعد أقل من ثلاث سنوات عدت الى بلدي وأنا أرملة ومعي طفلي الصغير وكمية بسيطة من المال لا تكفي لضمان المستقبل· عدت لأفجع بولدي الأول وقد تحول إلى طفل مشرد يعيش في الشوارع يستجدي ويسرق ليحضر لوالده المال لينفقه على لهوه وملذاته·
حاولت إنقاذ ابني من حياة الضياع فأخذته إلى بلدة بعيدة وأدخلته مدرسة داخلية هو وأخيه كي أضمن تعليمهما وتربيتهما بشكل سليم، وبالطبع فإن تلك المدرسة تتطلب أجورا مرتفعة لذلك قررت المجيء إلى هنا والعمل في أي مكان لأحصل على المال الكافي لضمان مستقبل هذين الصغيرين، وبما أنني لا أملك أية شهادة فلم تسنح لي فرصة أخرى سوى العمل في المقهى الذي يضمن لي أجراً مناسباً بالإضافة لما أحصل عليه من بقشيش جيد من أمثالك من المحسنين·
أثرت بي كثيرا وتألمت من أجلها··· شابة في مثل هذا العمر وتعاني كل تلك المعاناة، صدقتها وتمنيت مساعدتها بأي شكل·

قريبا من الخطاء

تعددت لقاءاتنا وصرنا نتحدث في مواضيع كثيرة، لا أدري لماذا انجرفت بتلك اللقاءات وأنا مقتنع بأنني لا أفعل ما يشين· فأنا لا ألتقي بها إلا في مكان عام وهذا يكفي من وجهة نظري فما المانع في أن أخفف عنها الشعور بالغربة؟ إنها مواساة إنسانية لا ضرر فيها·
مع الأيام صارت تلح عليّ لزيارتها في مسكنها عندما لا تكون الفتيات الأخريات موجودات وهي تعدني بوجبة شهية ستعدها لي بنفسها· اعتذرت منها مرة ومرتين وثلاثا ولكنني في النهاية استجبت لدعوتها وذهبت لشقتها واختليت بها وحصل بيننا ما حصل·
إنها سقطة وزلة لم أتوقعها من نفسي، فأنا رجل مستقيم، لم أقترب من المحرمات طوال حياتي، تزوجت وأنا في مقتبل العمر من فتاة عربية جميلة، أحببتها حبا شديدا، وأنجبت لي خمسة من الأبناء والبنات، تزوج اثنان منهما فأصبحت جدا· أنا بصراحه إنسان سعيد مع أسرتي لا ينقصني شيء أبدا، فلماذا انجرفت مع هذه الإنسانة بلا تفكير عاقل؟
ملأني الإحساس بالخزي والندم وقررت عدم الذهاب إلى ذلك المقهى وعدم اللقاء بتلك الفتاة وعدم الرد على اتصالاتها بعد أن استدرجتني لمنزلق ندمت عليه ندما شديدا·
كنت أعتقد بأن الأمر انتهى بعد أن طويت تلك الصفحة نهائيا من حياتي وكأنها كانت مجرد كابوس صحوت منه ولا أريد أن أتذكره من جديد·
مرت أشهر لا أدري عددها بالضبط· أحسست بالراحة لأن الفتاة لم تلح كثيرا في الاتصال ولم تسبب لي المشاكل مع أنها تعرف مكان عملي وهاتف منزلي·

حلم مرعب

ما كان يتعبني هو حلم غريب كنت أحلمه باستمرار، أراها كالمجنونة تحمل بيدها لفافة سوداء تركض خلفي وهي تعوي كالذئبة تحاول إمساكي وأنا أهرب منها من مكان الى آخر· أدخل بيتي وأغلق النوافذ والأبواب بإحكام معتقدا بأنها اختفت، افتح دولاب الملابس فتخرج منه بشكل مفاجئ، أفزع وأضربها فتلقي اللفافة السوداء على وجهي فتتحول إلى كلب يعضني من رأسي ويسيل لعابه القذر فوق وجهي فأصرخ وأنهض من نومي وأنا في غاية القرف والفزع، فأحمد ربي أنه مجرد حلم، وأنني لن أرى تلك المخلوقة من جديد لأنها أصبحت مثل النقطة السوداء التي تلوث حياتي كلها·
ما كنت أخشاه حصل فعلا· تحقق ذلك الحلم المخيف وظهرت تلك المخلوقة بشكل أرعبني· كنت منهمكا في عملي، فوجئت بها تقف أمامي، فزعت من رؤيتها، اعتقدت بأنني أحلم من جديد، ولكنه للأسف كان واقعا لا مفر منه· سألتها: ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أطلعك على سر يخصك··· إنه أمر خطير لا بد لك أن تواجهه··· سأنتظرك بعد نهاية الدوام في نفس المكان الذي كنا نجلس فيه من قبل لابد أنك تتذكره جيدا·
قالت كلماتها ثم خرجت وتركتني وأنا أرتجف بانفعال غير عادي، أتساءل··· ماذا تريد مني؟ وأي شيء تخبئه لي؟
ذهبت إلى ذلك الموعد وأنا مرغم، أشعر بالخوف والرعب، وكأن غربان الشؤم كلها تنعق بداخل رأسي· وجدتها تنتظرني· كان وجهها بشعا يشبه الحلم الذي كنت أراه دائما· كانت ممتلئة بشكل واضح، لم تستطع العباءة التي ترتديها إخفاء بطنها المنتفخ·
قلت لها: ماذا تريدين؟ قالت: لا تتعجل واستمع جيدا لما سأقوله لك· أنصحك أن لا تنفعل كثيرا لأنني سأطلعك على أمر خطير· أتذكر ما حدث بيننا ذلك اليوم؟ لقد هربت من مواجهتي لأنك لا تريد أن تتحمل مسؤولية فعلتك، عموما فقد صبرت وتحملت كل شيء لوحدي، وقد خرج الأمر من يدي الآن، فولدك الذي في أحشائي سيولد قريبا وليس سهلا أن أتحمل الأمر لوحدي·
جفلت وصرخت بصوت مكتوم: ماذا تقولين؟ قالت ببرود: نعم إنه ابنك· هذا ما يجب أن تعرفه· قلت لها: اسمعي··· لن أتقبل مثل هذه اللعبة السخيفة· هل تعتقدين بأنني ساذج لأصدق ما تزعمين؟ نظرت إليّ بثقة وقالت: أنا أذكى مما تتصور··· لديّ تسجيل كامل بالصوت والصورة لما حدث بيننا، فإن أنكرت بنوة الطفل فسأقدم الشريط للمحكمة· أمامك الآن خياران، إما أن تتزوجني وتعترف ببنوة الطفل، وإما الفضيحة التي ستزلزل حياتك كلها· أنا لا أريد أكثر من ولد يحمل الجنسية ليكفلني مدى الحياة ونفقة ستدفعها لي مع تأمين سكن مناسب لنعيش فيه أنا وولدي··· فهل هذا كثير؟ هذا و··· إلا ستكون فضيحتك على الملأ، فكر على مهلك فلن أستعجل الأمر لأنني صاحبة الحق ولن أضيع حقي وحق ابني··· أفهمت؟

مصير مظلم

غامت الدنيا بعيني وكدت أسقط على الأرض مغشيا عليّ من شدة الصدمة، أيعقل هذا الأمر؟ هل يمكن أن تكون هذه المرأة التي تصورتها ملاكا طيبا، تصورتها مخلوقا مظلوما معذبا يستحق الشفقة والرحمة، هل يعقل أن تكون بهذا القدر من الخبث والدناءة؟ هل قامت بالتصوير حقا؟ يبدو أنها كانت تعد لكل شيء، وأنها قد أحكمت خطتها لأقع في مصيدتها التي أعدتها بعناية فائقة· ماذا سأفعل؟ وكيف أتصرف؟ إنه أمر محير تعجز العقول عن تصوره·
مرت عليّ فترة قاسية وصعبة من المعاناة والتفكير وأنا حائر وغارق لا أدري ما أفعل، فلو نفذت هذه المرأة تهديدها ستضيع كل حياتي، أسرتي وعملي وسمعتي·
قـــــــــررت أن أصـــــبر حتى تلد فلربمــــــا جــــــاء ذلك الولد وفـــــيه شيء مني يجعـــــلني أرضى للاعـــــــتراف ببنوته، فمهما يكــــــن الغلطة غلطتي وعليّ أن أتحمــــــــــلها ولا ذنب لطفل صغير فيها·
الشيء الذي صدمني صدمة جديدة هو أن الولد لا يشبهني أبدا لا من قريب ولا من بعيد فأنا أسمر وملامحي معروفة، زوجتي كما ذكرت أمرأة عربية بيضاء وجاء أولادي كلهم بملامح قريبة إلى ملامحي، ولكن هذا الطفل أبيض وشعره أشقر وعيونه ملونة، إنه حتى لا يشبه أمه لأنها تحمل سمرة بسيطة أيضا، فكيف أعترف ببنوته وأنا متأكد تماما بأنه ليس ابني؟ يا إلهي ماذا أفعل؟ إنه ثمن باهظ أدفعه لقاء غلطة واحدة··· فكيف أتصرف؟ هل أتزوج من امرأة ساقطة؟ وهل أعترف ببنوة طفل ليس من صلبي؟ أم أتقبل الفضيحة فأخسر أسرتي وأطرد من عملي؟
تحريت الأمر فعرفت بأنها فعلا تملك شريطا مسجلا وعرفت بأنها على علاقة مع شاب أجنبي تخرج معه باستمرار· لم يكن أمامي سوى حل واحد هو أنني تفاوضت معها ومع عشيقها لعقد صفقة أتخلص بها من هذا الموقف المحرج· دفعت كل مدخراتي لأحصل على ذلك الشريط وعلى اعتراف خطي منها بتدبير تلك المكيدة بي·
ماذا أقول؟ لقد جنيت على نفسي···ودفعت الثمن·

اقرأ أيضا