صحيفة الاتحاد

تقارير

مؤتمر «قلب آسيا».. بداية جديدة!

استضافت باكستان مؤتمراً إقليمياً حاسماً في إسلام آباد، وناقش الوضع في أفغانستان مع التركيز بصورة خاصة على مساعدة اقتصاد الدولة التي مزقتها الحرب، وبالطبع كان الوضع الأمني على رأس القضايا. والاجتماع، بصورة خاصة، سعى إلى البحث عن أساليب لتعزيز التعاون والتعامل مع التحديات الأمنية، وبناء الروابط الاقتصادية.
مؤتمر «قلب آسيا» انعقد أول من أمس وينتهي اليوم، أي خلال الفترة من الثامن إلى العاشر من ديسمبر الجاري. رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف التقى الرئيس الأفغاني أشرف غني على هامش مؤتمر التغير المناخي المنعقد في باريس الأسبوع الماضي. وهو لقاء توسط فيه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وشجعته زيارة سابقة إلى كابول قام بها زعماء قبائل البشتون من باكستان.
وقوبل التواصل الجريء الذي قام به غني مع باكستان عقب توليه السلطة بردة فعل كبيرة. وكانت باكستان قد وعدت الرئيس الأفغاني بأنها ستُحضر زعماء «طالبان» إلى مائدة المفاوضات، ولكن تأكيد وفاة الزعيم الروحي لحركة «طالبان» الملا عمر في اللحظة الأخيرة، لم تخرج المحادثات عن مسارها فحسب، ولكنها أثارت شكوكاً حول نوايا باكستان.
ومع فشل المحادثات، شهدت كابول سلسلة من الهجمات الإرهابية الدامية، أسواء مما واجهت في أي وقت سابق خلال الأعوام الـ14 الماضية. ودفعت هذه الهجمات كابول إلى إعادة التفكير في تقاربها مع باكستان، ومن ثم قررت أنها لن تعقد محادثات مع إسلام آباد إلا عندما تصبح الأخيرة جاهزة للتحدث صراحة حول السلام في أفغانستان.
ويوفر مؤتمر الأسبوع الجاري لكل من باكستان وأفغانستان فرصة حقيقية لتضييق الخلافات بينهما والتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية. ومن بين المسؤولين البارزين الذين حضروا القمة وزيرة الخارجية الهندية «سوشما ساوراج» ووزير الخارجية الصيني «وانج يي» وممثلون رفيعو المستوى من أذربيجان والصين وإيران وكازخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وتركيا وتركمانستان، ممن يمكن أن يستغلوا الفرصة للضغط على كابول وإسلام آباد من أجل التوصل إلى تسوية سلام مع الجماعات المتمردة على حدوديهما.
ورغم ذلك، قبيل انعقاد المؤتمر، ظهرت العراقيل مرة أخرى، مثل مزاعم مقتل الملا «أختر منصور»، الذي خلف «الملا عمر» كزعيم لحركة «طالبان»، أملاً في أن يلقي ذلك بظلاله على المؤتمر، ويؤدي إلى مغادرة المشاركين خالي الوفاض. وفي الحقيقة، لا يزال مصير زعيم «طالبان» غامضاً.
وفي ظل بيئة انعدام الثقة بين أفغانستان وباكستان، وبينما ترغب إسلام آباد في السيطرة بشكل كامل على محادثات السلام والمصالحة ونتائجها، فكي يتحقق السلام وتحدث مصالحة مع الجماعات المتمردة، سيكون على الصين، التي من المرجح أنها ستلعب دوراً كبيراً خلال السنوات المقبلة في المنطقة، أن تدفع باكستان إلى إحضار عناصر «طالبان» إلى مائدة المفاوضات، وإحلال السلام مع أفغانستان. وسيكون على إسلام آباد إدراك أن تواجد حركة «طالبان» الباكستانية في مناطق على الحدود مع البلدين، له تداعيات سلبية على باكستان. وكلما ساند الباكستانيون شبكة «حقاني» و«طالبان» في إضعاف الدولة الأفغانية، كلما ستصبح هناك ملاذات آمنة أكثر في أفغانستان تشنّ منها «طالبان الباكستانية» هجمات على إسلام آباد. وكان الهجوم المدمر العام الماضي على كلية تابعة للجيش الحكومي في بيشاور من أعمال مثل هذه الجماعات المتواجدة على طول الحدود.
وعلى الجانب الآخر، على حكومة أفغانستان أن تتفادى المضي قدماً في أجندات غير مسؤولة ضد باكستان، وأن تكف عن إلقاء اللوم على إسلام آباد في كل حادث إرهابي. وعلى الحكومة الأفغانية أن توفر حزمة تحفيز اقتصادي قصيرة الأجل تركز على توفير فرص العمل، بالتزامن مع إصلاحات حكومية، على نحو يقلص فرص وقوع الشباب الأفغاني فريسة لعمليات التجنيد ضمن الجماعات المتمردة، إضافة إلى وقف هجرة الشباب.
وعلى المجتمع الدولي أيضاً أن يضطلع بدوره في إحلال السلام في أفغانستان، إذ يجب تعزيز المستوى الحالي من الدعم المالي لقوات الأمن الأفغانية، مع تولي الولايات المتحدة زمام المبادرة في التدريب والاستشارات ومساعدات قوات الأمن الوطني الأفغانية. وهذه الخطوات تحتاج إلى الحفاظ على معنويات القوات الأفغانية والضغط العسكري الذي ساعد على دفع «طالبان» إلى مائدة التفاوض. ويجب أن يساعد المجتمع الدولي حكومة أفغانستان على وضع سياسات لمكافحة الإرهاب، مدعومة بمعلومات مخابراتية دولية، وعمليات استطلاع ومراقبة، ومساندة جوية قريبة لمنع وجود أية ملاذات للجماعات المتمردة على الأراضي الأفغانية والمنطقة، وهو ما يشجع المصالحة.

*حبيب واياند*
* زميل جامعة يل ومحلل سياسي - كابول
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»