تقارير

الاتحاد

ميانمار... مؤشرات انفتاح حذر

في وقت وصلت فيه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى ميانمار (بورما) في زيارة تاريخية إلى هذا البلد الذي عانى من العزلة الدولية لوقت طويل، كانت أبرز مدافعة عن الديمقراطية في ذلك البلد الواقع في جنوب شرق آسيا تعيد سرد قصة تصف أمل اللحظة، وهشاشة هذا الأمل في الوقت نفسه.
إنها "أونج سان سوكي"، التي قضت معظم الثلاث والعشرين سنة الماضية تحت الإقامة الجبرية، وكانت تتحدث عبر اتصال بالفيديو يوم الأربعاء الماضي مع جمهور من مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن. ومن المعروف أن "سوكي"، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، تعد تقليديّاً رمزاً من رموز النضال من أجل الحريات العامة والديمقراطية في ذلك البلد الذي رزح طويلاً تحت سيطرة العسكر. وقد كلف ذلك النضال "سوكي" كثيراً من صنوف المعاناة والسجن والإقامة الجبرية، ولولا الاهتمام الغربي الشديد بدعمها، ومتابعة وسائل الإعلام العالمية لنضالها، فلربما لم يكن ليكتب لها الاستمرار في نضالها الأسطوري حتى الآن دون التعرض لما هو أخطر وأمر وأدهى من أشكال الاستبعاد من قبل العسكر الحاكمين في بلادها طيلة العقود الماضية.
وبعد الإفراج عن "سوكي" مؤخراً في أوائل هذا العام، قالت إنها كانت ترغب في نشر رسائل في بورما ظلت تبعث بها إلى إحدى الصحف اليابانية "ماينيشي شيمبون"، المهتمة بمتابعة نضالها، ودعم قوى الإصلاح والتغيير في ميانمار. ولكن قبل بضعة أشهر اعترض النظام الحاكم في بلدها على نشر إحدى الرسائل بالذات لأنها كانت تشير إلى "اللجنة التنفيذية للرابطة الوطنية الديمقراطية"، وهو الحزب الذي ترأسه "أونج سان سوكي" الذي لطالما سعى النظام إلى شيطنته، والقضاء عليه، واستبعاده بشكل كامل من المشهد السياسي للبلاد. ولكن "سوكي" رفضت بقوة وإصرار إزالة الإشارة إلى اسم الحزب، فلم تنشر الرسالة في النهاية لأن كلا الطرفين ركب دماغه وأصر على موقفه.
وفي الفترة القريبة الماضية أيضاً اعترض النظام مرة أخرى على مقال لأنه يحتوي في ثنايا استطراداته على إشارة إلى "سجناء سياسيين". فقد طلب منها بعض المسؤولين تغيير الإشارة إلى "سجناء" إلا أنها رفضت بقوة في البداية. ولكن عندما وافق النظام على السماح لها باستخدام عبارة "سجناء الرأي"، وافقت على هذا الحل الوسطي، وتم نشر مقالها في نهاية المطاف.
إن هذه القصة تظهر الفرصة التي باتت متاحة في بورما خلال الأشهر القليلة الماضية، والسيطرة التي ما زال النظام يتمتع بها ورغبة "أونج سان سو كي" في استغلال هذه الفرصة إلى أبعد حد ممكن، في جو توافقي.
وتعليقاً على هذا الموضوع تقول "سو كي": "إن الأمر يتطلب بعض المجازفة"، مضيفة "ليس ثمة شيء مضمون... ولكن علينا أن نغتنم الفرصة التي أتيحت خلال الأشهر القليلة الماضية".
وتشير مصادر إلى أن هذه هي الرسالة التي بعثت بها "سوكي" خلال اتصال هاتفي مؤخراً مع أوباما، حيث ساعدت على إقناعه بإرسال هيلاري كلينتون إلى بورما.
غير أن "أونج سوكي" تمكنت أيضاً، بطريقتها المهذبة المعتادة، من أن تبعث برسالة حذر إلى الولايات المتحدة وبلدان أخرى قد تميل إلى إعادة إقامة علاقات مع النظام بشكل أسرع من اللازم. فحين سُئلت حول ما إن كانت تفضل مزيداً من الانخراط مع بلدها، قالت "سوكي" إنها ستكون "سعيدة للغاية لرؤية تغييرات" داخل بورما من النوع الذي يعلل مزيداً من الانخراط مع بلدها. كما اعتبرت أن المساعدات لا ينبغي أن تمنح إلا على نحو يشجع الديمقراطية ويعززها. وقالت أيضاً إن على الأميركيين أن "يوضحوا بما لا يدع مجالًا للشك أنهم يراقبون" ما يجري في بورما وأن "أي تراجع عن طريق الإصلاح سيقابل بالنوع المناسب من رد الفعل".
كما قالت إنها واثقة بأن الكونجرس لن يقوم برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلدها إلى أن تتم الاستجابة لشروطه، ومن ذلك إطلاق سراح كل السجناء السياسيين. غير أنها شددت على أن الأهم من إطلاق سراح السجناء هو إقامة حكم القانون، الذي بدونه، سيكون من السهل الالتقاء بالناس في السجون من جديد، كما تقول.
وبالنسبة لزعيمة عانت نفسها من محاولات الشيطنة، وأُبعدت عن عائلتها وعُزلت عن أصدقائها وزملائها -ناهيك عن حرمانها من الزعامة التي نالتها عن جدارة واستحقاق بعد أن فاز حزبها بأغلبية كبيرة في الانتخابات عام 1990 - بدت "أونج سان سوكي" مبتهجة ومتفائلة وغير حاقدة على نحو ملفت. وقالت في هذا الصدد: "إنني لا أحاول نسيان الماضي"، مضيفة "بل علينا أن نتذكر الماضي" حتى نبلي بلاء أحسن في المستقبل، ولكن ليس بالغضب أو تبادل الاتهامات.
وقالت مازحة إن حزبها كان مستعداً للتمييز لصالح النساء عندما يدخل عالم السياسة من جديد ويجمع قائمة المرشحين، ولكنها في اللحظة الراهنة لا تعتقد أن ذلك سيكون ضروريّاً "لأنني أعتقد أن النساء قادرات على النجاح بكل بساطة".
وفي نهاية جلسة دامت نحو 75 دقيقة، قالت "سوكي" بعد أن لفتت الانتباه إلى الفرق الزمني بين بورما وواشنطن التي كان فيها الوقت صباحاً: "في المرة المقبلة سنقوم بهذا الاتصال في منتصف ليلكم".

فريد حياة
محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا