تقارير

الاتحاد

السجال الانتخابي... والتضليل الإعلامي

أعطى الإعلان التلفزيوني الذي نشره المرشح الجمهوري المحتمل، "ميت رومني"، والموجه ليس ضد خصومه في الانتخابات التمهيدية، بل ضد أوباما نفسه، لمحة عامة عن حملة الانتخابات الرئاسية في فصل الخريف الجاري، كما يثير العديد من الأسئلة حول ما إذا كان مسموحاً باستخدام مغالطة للترويج لمغالطة أخرى؟ فالإعلان الذي أغضب أوباما ومساعديه والمعنون "ضع إيمانك في أميركا" يجتزئ بوضوح كلمات أوباما ويخرجها من سياقها الأصلي، فهو يورد قولاً للرئيس جاء فيه "لو واصلنا الحديث عن الاقتصاد فإننا سنخسر"، والحال أن الجملة بكاملها كما جاءت في خطابه الذي ألقاه في 16 أكتوبر 2008 وخلافاً لما يحاول "رومني" إلصاقه به هي: "إن حملة السيناتور جون ماكين قالت وهنا أستشهد بكلامه: لو واصلنا الحديث عن الاقتصاد فإننا سنخسر"، بحيث بات واضحاً أن الجملة وإن قالها أوباما إلا أنها منقولة عن "ماكين" الذي يعد صاحبها الأصلي.
والمشكلة أننا لم نعرف بهذه الحقيقة من خلال الإعلام الذي يُفترض فيه أن يفحص الكلام ويدققه قبل نشره. بل عرفت الخطأ من الموقع الرسمي لحملة "رومني" الذي نشر خطاب أوباما بالكامل وإلى جانبه الإعلان المثير للجدل، ومع ذلك امتنع مساعدو "رومني" الذين وضعوا الإعلان عن الاعتذار.
ولكن إدارة أوباما في رد فعلها على الإعلان تبنت موقفاً غاضباً للغاية على ما اعتبرته "تضليلاً" للرأي العام واجتزاء لخطاب أوباما الذي كان في الحقيقة تعقيباً على ما قاله السيناتور ماكين في الحملة الانتخابية لعام 2008، واحتجت اللجنة الوطنية الديمقراطية على "رومني" لأنه انخرط في حملة تحريف "غير نزيهة".
وسرعان ما انضمت وسائل الإعلام إلى الانتقادات الموجهة لـ"رومني" ومساعديه، مشيرة إلى أن الجملة التي نسبت خطأ إلى أوباما كان صاحبها "ماكين"، بل إن "ماكين" نفسه لم يدلِ بالجملة المثيرة وإنما تعود في الأصل إلى أحد مساعديه، ولكن بما أن أوباما يقول إن كلامه أُخذ خارج السياق فلا بأس من الرجوع إلى السياق الأصلي ومراجعة كلام أوباما، فالكلام الذي يُحمله أوباما على "ماكين" والذي يفيد بأن الحديث المتواصل عن الاقتصاد يؤدي إلى الخسارة كما جاء في منطوق الاستشهاد يرجع في الحقيقة إلى عمود صحفي كتبه "توماس ديفرانك" في "نيويورك ديلي نيوز" خلال حملة العام 2008 وفيه ينسب الصحفي الاستشهاد إلى مصدر مجهول عبر عنه بتلك الصيغة المعروفة "استراتيجي في حملة ماكين"، وهو ما يعني أن الشخص صاحب الجملة قد يكون أي مساعد من مساعدي "ماكين" في حملته الانتخابية بدءاً بمدير الحملة نفسه وليس انتهاء بأحد مستشاريه الإعلاميين.
وفي كلتا الحالتين لم يكن المصدر يتحدث بشكل رسمي نيابة عن المرشح "ماكين"، وبالتالي لا يمكن محاسبة المرشح الجمهوري وقتها على ما قاله أحد مساعديه. وهنا نعود إلى أوباما الذي استخدم عبارة منقولة عن ماكين لم تأت قط على لسانه، ولو كان أوباما نفسه حريصاً على توخي الدقة والمصداقية في حملته لجاء في خطابه "أن عنصراً مجهول الهوية في حملة ماكين قد يكون يمثله رسميّاً، أو قد لا يكون، صرح لصحيفة من نيويورك قائلاً..."، بل إن أوباما في حملته لعام 2008 انتقد منافسه لأنه "منفصل تماماً عن الواقع" لقوله "إن أساسيات الاقتصاد سليمة".
والحال أن كلمات "ماكين" كانت مختلفة تماماً حيث قال "إن الاقتصاد على رغم أساسياته السليمة يواجه اليوم أوقاتاً عصيبة، وأنا أتعهد أمامكم بأننا لن نضع الاقتصاد على هذا المحك الصعب"، ليتضح في النهاية أن ما كان يشير إليه "ماكين" هو مواطن القوة في الاقتصاد الأميركي وقدرته على التغلب على الصعاب، وهو الخطاب نفسه الذي ما فتئ يكرره أوباما على أسماعنا، ولكن السياق الذي يوضح هذه الفكرة اجتزأه أوباما وحور معناه لصالح حملته الانتخابية. ولا يعني ذلك أن ما قام به "رومني" الآن مبرر لأنه يجيب على خطأ سابق لأوباما ضد "ماكين"، بل نثير هذا فقط للتأكيد على أن التضليل أمر معمول به في الحملات الانتخابية الأميركية، كما أن أوباما الذي يشتكي من ذلك لجأ إليه من قبل، وربما كان سبب اعتراض أوباما هو في الطريقة التي صعد بها إلى السلطة، حيث اعتمد على فكرة التغيير والأمل فيما كانت سياسته على أرض الواقع تتبنى أسلوب القسوة في التعامل مع الخصوم، فالأستاذ بجامعة شيكاجو الذي كانه أوباما هو أيضاً سياسي من شيكاجو، كما أن أكثر من نصف الإعلانات التي نشرتها حملة أوباما الانتخابية كانت سلبية! ومع أن فريق أوباما الانتخابي لم يُعرف عنه رفع صوته عاليّاً في الحملات الانتخابية، إلا أن مستشاره المقرب "ديفيد أكسلورد" وكما يقول عنه كاتب سيرة أوباما "ديفيد مانديل"، كان دائماً "بارعاً في التسلل ليلاً إلى غرفتك وانتزاع قلبك دون ترك بصمة واحدة أو نقطة دم تورطه في الجريمة"! ومع أن انتزاع القلب من صاحبه قد يكون مفيداً في الحملات الانتخابية والصراعات السياسية، إلا أن ذلك ينسحب على الجميع بدون استثناء ولا يعطي أحد الأطراف الحق في ادعاء الأخلاق، فحملة أوباما تريد فرض قواعد على الآخرين هي نفسها لا تتقيد بها. ولا يعني ذلك أن ما قام به "رومني" من خلال الإعلان المضلل كان سليماً، بل لابد من الانتباه فقط إلى أن أوباما الذي نصب نفسه حكماً هو في الحقيقة غير نزيه في حملاته وغير مخول بممارسة هذا الحق، ولكن في مجال الإعلان السياسي ليست الطهرانية هي ما يهم، بل يكفي فقط الادعاء بوجودها.

مايكل جيرسون
كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا