تقارير

الاتحاد

موسكو وواشنطن... سباق تسلح جديد

بالنظر إلى الصخب والغضب الصادرين عن روسيا مؤخراً، يمكن القول إنها ربما تكون بصدد مشاهدة التدمير البطيء للجوهرة التي ترصع تاج سياسة أوباما الخارجية: "الاتفاقية الجديدة لخفض الأسلحة الاستراتيجية" المعروفة اختصاراً بـ"ستارت الجديدة". ولكن ليست ثمة مفاجأة كبيرة حقاً لأن المسألة كانت مسألة وقت فقط قبل أن تقوم القنبلة الموقوتة التي أُلحقت بالاتفاقية -نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي- بنسفها. والنتيجة ليست سباقاً مجازيّاً مع روسيا نحو التسلح فحسب، وإنما جهود فعلية لزيادة أسلحتها النووية مؤخراً، مما يهدد بإشعال فتيل سباق تسلح جديد على شاكلة سباق الحرب الباردة.
وحسب "ستارت الجديدة"، التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير الماضي، وافقت موسكو وواشنطن على تقليص عدد الرؤوس الحربية المنشورة إلى 1550 لكل واحدة منهما بحلول 2018. وهذا التوازن الصارم، أو "التكافؤ" في أعداد الرؤوس الحربية الاستراتيجية، يعد ركناً أساسيّاً من الاتفاقية، غير أن المشكلة التي ينطوي عليها نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي هي أنه إذا كان الهدف منه هو التصدي لإيران، فإن الصواريخ الاعتراضية السريعة التي من المرتقب أن يتم نشرها في إطار هذا النظام الدفاعي في 2018، ستكون قادرة أيضاً على الاشتباك مع الرؤوس الحربية الروسية، الأمر الذي من شأنه أن يخل بهذا التكافؤ الحرج. والحقيقة هي أن هذا التفاعل بين الهجوم والدفاع الاستراتيجي تمت الإشارة إليه صراحة في ديباجة الاتفاقية. فمنذ عام ونيف، شرعت موسكو وواشنطن في التفاوض حول طرق ممكنة للتعاون حول نظام الدفاع الصاروخي.
فالروس يرغبون في إقامة شبكة دفاع صاروخي أوروبية مع "الناتو" بغية التأكد من أن عناصر النظام -في عدد من بلدان "الناتو" مثل تركيا- لن تؤدي إلى تحييد الرؤوس الحربية لروسيا. وبالمقابل، يقترح "الناتو" إنشاء نظامين منفصلين تماماً يقومان بتبادل المعلومات فيما بينهما. ولكن المفاوضات لم تحرز أي تقدم، وفي 23 نوفمبر الماضي، يئس الرئيس ديميتري ميدفيدف أخيراً وأعلن نهاية المفاوضات حول التعاون بشأن الدفاع الصاروخي.
واليوم بدأت روسيا تحذر من أنها ستقوم بنشر أنظمة صواريخ "إسكندر" التقليدية المتقدمة في منطقتي كالينينجراد وكراسنودار الغربية والجنوبية إضافة إلى بيلاروسيا المجاورة في حال لم تكن ثمة نهاية مرضية لموضوع نظام الدفاع الصاروخي، علماً بأن هذه الصواريخ قادرة على استهداف قواعد الدفاع الصاروخي التابعة لـ"الناتو". كما بدأت روسيا تعمل على زيادة مخزونها النووي الاستراتيجي، علماً بأن أعداد الرؤوس الحربية الروسية كانت قد خفضت إلى ما دون السقف الذي تحدده "ستارت الجديدة" في وقت سابق من هذا العام، ولكنها زادت اليوم إلى 16 رأساً حربية فوق ذلك السقف. ولئن كانت الزيادة غير كبيرة، فإن مسار التغيير غير مشجع: ذلك أنه بدلًا من الاستمرار في خفض أعداد الرؤوس الحربية، فإن روسيا تعمل اليوم على زيادة مخزونها الاستراتيجي.
ويمكن القول حقيقـة إن مزيـداً من صواريخ "آر. اس. 24" ثلاثية الرؤوس باتت تستعمل اليوم -وعدداً أقل من صواريخ "إس. إس. 25" وحيدة الرأس- إنما تشير بقوة إلى أن الأمر يتعلق برد فعل مباشر على نظام الدفاع الصاروخي الذي يعتزم "الناتو" إقامته، وذلك على اعتبار أن صواريخ "آر. إس. 24" طُورت خصيصاً للرد على مخططات سابقة للدفاع الصاروخي.
وإذا كانت "ستارت الجديدة" اتفاقية متواضعة أصلاً من حيث خفض الرؤوس الحربية الاستراتيجية، إلا أنها تمثل إنجازاً مهمّاً بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة، ذلك أنها تعيد إنشاء آلية لتبادل البيانات حول أنظمة الأسلحة الاستراتيجية وتعيد ضبط علاقة مراقبة الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا عبر توفير درجة من القدرة على التنبؤ. كما أنها تقوم بشكل دوري بجمع خبراء من البلدين، وتزيد من الشفافية، وتقلل من إمكانية حدوث سوء فهم.
غير أن الصفقات الداخلية التي عُقدت من أجل ضمان تمرير هذه الاتفاقية المتواضعة في الولايات المتحدة كانت أهم بكثير مقارنة مع مزاياها الضئيلة. فقد تم تقديم زيادات ضخمة في التمويل لمجمع الأسلحة النووية في أميركا و"تحديث" البرامج إضافة إلى إعطاء إشارة الضوء الأخضر لنظام الدفاع الصاروخي المعيب، كتنازلات للصقور السياسيين الذين كانوا معترضين على الاتفاقية من أجل الحصول على دعمهم لها. هذا علماً بأن أوباما عندما دخل البيت الأبيض لم يكن يفضل نظام الدفاع الصاروخي الذي لم يخضع لتجارب كافية تثبت نجاعته وفعاليته، ولكنه سرعان ما غيَّر رأيه لأنه كان في حاجة إلى أصوات إضافية من أجل تمرير اتفاقية "ستارت الجديدة". وهذه "القنبلة الموقوتة" المسماة نظام الدفاع الصاروخي في "ستارت الجديدة" هي التي تنفجر اليوم. والواقع أنه لا ينبغي المصادقة على اتفاقيات مراقبة التسلح بأي ثمن. فأن تكون لدينا اتفاقية "ستارت جديدة"، ولا دفاع صاروخياً ولا زيادات كبيرة في التمويل الخاص بمجمع الأسلحة النووية، هو أمر أكثر حكمة وعقلانية من أن تكون لدينا كل هذه الأمور الثلاثة مثلما هو الحال اليوم. غير أن توقيع مثل هذه الاتفاقيات يقدم روسيا على أنها خصم، والحال أن هناك بعض الحجج القوية والسلمية التي تدعو لتجنب اتفاقيات حرب باردة جديدة مثل هذه في المستقبل، ولاسيما أنه كان من الممكن التفاوض حول تدابير تبادل البيانات والشفافية بدون اتفاقية رسمية وبدون الاضطرار لدفع فدية داخلية.
والحقيقة أنه ليس ثمة حاجة ملحة لإشراك روسيا في عمليات مقبلة لخفض الأسلحة. فقد أشار قائد المخططات الاستراتيجية وقسم السياسات في القوات الجوية إلى أن احتياجات الردع النووي الأميركي يمكن تلبيتها على نحو آمن بواسطة 311 سلاحاً نوويّاً فقط. وعليه، فإنه يجدر بنا أن نعمل على خفض ترسانتنا إلى هذا العدد حالاً ونترك روسيا تفعل ما يحلو لها. فإذا كانت موسكو ترغب في هدر أموالها على صيانة الآلاف من الأسلحة النووية عديمة الجدوى، فتلك مشكلتها. إن روسيا ليست عدونا، ولنكف عن التعامل معها كما لو كانت كذلك!

د. يوسف بوت
عالم فيزياء نووية، مستشار علمي لدى «فيدرالية العلماء الأميركيين»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا