الاتحاد

الاقتصادي

الاستثمار الأجنبي في شمال أفريقيا يتبخر بفعل صدمات الداخل والخارج

بورصة الدار البيضاء (أ ف ب)

بورصة الدار البيضاء (أ ف ب)

لندن (رويترز) - تتبخر استثمارات الصناديق العالمية في أسواق شمال أفريقيا بفعل صدمات داخل المنطقة وخارجها حالت دون إحراز التقدم الاقتصادي الذي انعقدت عليه الآمال منذ الانتفاضات، التي اجتاحت عدة دول في المنطقة قبل ثلاث سنوات تقريباً. وأصبح المغرب الذي تفادى أسوأ القلاقل، التي شهدها جيرانه أحدث ضحية الأسبوع الماضي عندما تقرر خفض تصنيفه على مؤشرات إم.إس.سي.آي من وضع السوق الناشئة إلى السوق “المبتدئة” الذي يخص الأسواق المالية الأقل تطوراً.
وشأنه شأن دول أخرى في شمال أفريقيا مثل تونس ومصر، يعاني المغرب من عجز تجاري متصاعد ويعتمد اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجية من المؤسسات المالية الدولية ودول الخليج، بينما يظل وضعه السياسي الداخلي غير مستقر. ويتحاشى مديرو المحافظ على نحو متزايد الدول الثلاث عدا ربما عدد صغير من الشركات القوية. وبدلاً من ذلك يتجه المستثمرون الإقليميون والأجانب إلى أسواق مثل دبي، التي استعادت بالفعل مكانتها كملاذ آمن.
وقال أندرو برودنل مدير محفظة الأسواق المبتدئة في إتش.إس.بي.سي لإدارة الأصول: “عانت منطقة شمال أفريقيا بأسرها على مدى العام المنصرم.. معظم المستثمرين الأجانب متغيبون عدا أسماء قليلة في مصر واسما أو اسمين في المغرب”. وبحسب إي.بي.إف.آر، التي ترصد تدفقات الأموال، خصص المستثمرون العالميون أكثر من مليار دولار تدفقات رأسمالية صافية لمصر منذ عام 2008. لكن الذي وصل بالفعل لم يتجاوز الثلث ــ حوالي 350 مليون دولار ــ منذ أطاح المصريون بحسني مبارك في فبراير 2011.
وظل صافي الاستثمار في الأسهم المغربية والتونسية ومعظمه يتركز في شركات مدرجة بالبورصات المحلية قريبا من الصفر. وهذا أداء ضعيف للغاية بالمقارنة مع عدد من دول أفريقيا جنوبي الصحراء مثل نيجيريا التي جذبت بحسب إي.بي.اف.آر استثماراً صافياً بلغ 100 مليون دولار على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة. لكن المستثمرين مازالوا متحمسين بشأن أسهم معينة أو أسواق سعر الفائدة. وأحد الأسهم المفضلة البنك التجاري الدولي وهو بنك القطاع الخاص المصري الأعلى ربحية والأقوى والذي يقرض بعض القطاعات الأفضل ربحية في الاقتصاد مثل الخدمات النفطية.
ومن بين الأسهم المغربية المفضلة اتصالات المغرب والضحى العقارية. لكن ما أبعد الليلة عن البارحة. ففي نهاية 2010 وقبيل الانتفاضات مباشرة كان مستثمرون عالميون كثيرون يضعون مصر قرب رأس قوائم الشراء، وينتظرون أول إدراج أوروبي لشركة تونسية مملوكة للدولة ويتوقعون المزيد بعد ذلك.
وفي ذلك الوقت كان المغرب قد أطلق للتو إصدار سندات خارجية لقي إقبالاً جيداً إثر عزوف عن الاقتراض استمر لثلاث سنوات. وعندما أطاح التونسيون بزين العابدين بن علي في يناير 2011 ثم سقط مبارك بعدها بفترة وجيزة تصور المستثمرون أن الحكومات الجديدة ستنتهج سياسات اقتصادية أكثر انفتاحاً بما سيصب في صالحهم. لكن بدلاً من ذلك بدأت فترة طويلة من الصراع السياسي والعنف، كما في حالة مصر بعد أن أطاحت الاحتجاجات الشعبية الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بعد عام فقط في السلطة.
ولم يشهد المغرب ثورة لكنه اضطر إلى زيادة الإنفاق العام في محاولة لاحتواء السخط الشعبي. وتقول منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إن الاستثمار الأجنبي المباشر في شمال أفريقيا قد تراجع. وقالت إن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغت 11.5 مليار دولار العام الماضي ارتفاعاً من 8.5 مليار دولار في 2011 لكن بانخفاض كبير عن مستويات 2010 البالغة 15.8 مليار دولار.
في المقابل جذب غرب أفريقيا مستويات قياسية من الاستثمار الأجنبي المباشر في العامين الأخيرين. ويتوقع البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير الذي يستثمر الآن في مصر والمغرب وتونس والأردن تدفقات ضعيفة للمحافظ والاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة.
وقالت حنان مرسي كبيرة اقتصاديي المنطقة في البنك إن تونس - حيث يدور سجال ساخن بين الإسلاميين والمعارضة العلمانية بشأن تشكيل حكومة تسيير أعمال تقود الدولة إلى انتخابات في العام المقبل - ومصر تعانيان بشكل خاص. ويرجع ذلك إلى طول أمد عدم الاستقرار إلى جانب النمو الاقتصادي الضعيف في العالم المتقدم مثل منطقة اليورو وهي تقليديا سوق رئيسية لصادرات البلدين.
وقالت: “الربيع العربي فرض ضغوطاً على الإنفاق العام والأجور بالتزامن مع بيئة خارجية ضعيفة واضطرابات سياسية في الداخل - إنه مزيج من الصدمات”. وفي حين ارتفعت أسواق مبتدئة كثيرة هذا العام فقد تراجعت تونس 8% عند حساب الأسعار بالدولار. أما المغرب - الذي كان حتى يوم الأربعاء مصنفاً سوقاً ناشئاً صغيراً - ومصر فمستقران بحساب العملة الأميركية. وتواجه عملات الدول الثلاث، التي تعاني من مستويات عجز مرتفعة في التجارة وميزان المدفوعات خطر انخفاض القيمة. وفي غضون ذلك تبقي شركة القلعة المصرية للاستثمار المباشر كل حيازاتها في شمال أفريقيا داخل مصر عدا حصة بشركة أسمنت جزائرية.
وقال هشام الخازندار العضو المنتدب للشركة “القصة في شمال أفريقيا هي قصة الربيع العربي والتوترات”. وقال الخازندار إن القلعة تتحاشى أيضاً ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي قبل عامين نظرا للمشاكل السياسية والأمنية. وكثيراً ما يشير متصيدو الأسهم إلى شركات في الأسواق الناشئة والمبتدئة اجتازت الانقلابات والحروب دون أن تتأثر أعمالها. لكنهم يقولون إن كثيراً من تلك الشركات في المغرب وتونس ليس رخيصا بما يكفي - من حيث مضاعف ربحية الأسهم - لتبرير المخاطرة.
وقالت جولي ديكسون مديرة محفظة الأسهم في صندوق أشمور للأسواق الناشئة، والذي يفضل دولاً مثل غانا في استراتيجيته الأفريقية “هناك شركات في المغرب متداولة بمضاعفات ربحية تبلغ 17 و20 و30 مثلا. هناك بدائل أرخص بكثير في أماكن أخرى”. إلا أن هناك بصيص ضوء. فالجنيه المصري تراجع هذا العام لكن سوق الأسهم المحلية ارتفعت بفضل مساعدات خليجية واستفتاء وشيك على دستور جديد. كما أن المستثمرين الأجانب يقبلون على أذون الخزانة المصرية. وفي العام الماضي أطلقت تونس إصدار سندات دولارية بضمان أميركي، ومن المرجح أن تسمح بصناديق الاستثمار الإسلامية، في حين نجح المغرب الذي يدعمه صندوق النقد الدولي في إطلاق إصدار سندات خارجية في العام المنصرم. بينما ما تزال مصر سوقاً ناشئاً انضمت سوق الأسهم المغربية إلى تونس على مؤشر ام.اس.سي.آي للأسواق المبتدئة والذي يرصده عدد صغير من المستثمرين.
لكن هذه النقلة قد تجذب مشترين جددا من راكبي المخاطر لاسيما وأن أسعار الأسهم هناك تراجعت في الآونة الأخيرة عن المعدلات السائدة في الأسواق الناشئة عموما مما يجعلها أقل تكلفة بعض الشيء. وتعتزم الوحدة المغربية لشركة طاقة الإماراتية إدراج أسهم في البورصة في ديسمبر ويعتقد المحللون أن هذا قد ينعش السوق. وقالت ماريا جراتسوفا محللة أسواق الأسهم الناشئة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى سيتي “كان المغرب سمكة صغيرة جداً داخل حوض كبير وسيصبح سمكة أكبر قليلاً في حوض أصغر.. سيكون أمام الجمهور المناسب”.

اقرأ أيضا

"طيران الإمارات" توقع طلبية لشراء 30 طائرة "بوينج 787"