صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الخرطوم.. سمراء تبتسم بشفاه النيلين

جميل رفيع:

دارفور ظهرت في حياتي فجأة دون سابق إنذار·· لم ألتفت كثيراً إلى نشرات الأخبار وهي تتناول اتفاق ''نيفاشا'' الذي حسم الموقف بين الحكومة الانتقالية وجنوب السودان، ولا تلك التي تناولت قضية دارفور وما تمخض عنها من اتفاق سمي باتفاق ''أبوجا'' بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة في الإقليم، أعني إقليم دارفور وما رافق ذلك من تحركات محلية سودانية وإقليمية ودولية حتى صورت تلك المنطقة من أخطر مناطق العالم·
إلى تلك المنطقة الملتهبة من العالم كلفت برحلة للوقوف على الحقائق على الأرض هناك، وكان التكليف لي كالصاعقة، ليس خوفاً فالمغامرة زاد الصحافة، لكن ما انتابني من توتر هو أنني متابع للشأن المحلي الداخلي وأشعر بأن لدي القدرة لرصد أي حالة أو ظاهرة في المجتمع لعلمي ودرايتي ولأني جزء منه، أما أن أكون مكلفاً بتغطية منطقة ملتهبة في الشمال الغربي الأفريقي ورصد الحالة والواقع على الأرض، فذلك صعب، لأن المسألة تحتاج إلى خلفية عن تاريخ المنطقة وطبيعة الصراع الدائر محلياً وإقليمياً ودولياً وليس هناك أي متسع للوقت فالسفر غدا، لذلك وجدتني لدى سماعي بأني المقصود بالمهمة أقرع كافة الأبواب للإلمام بالموضوع وطبيعة الصراع وما نتج عنه حتى الآن كمثل طالب كسول جلس العام كله لهوا ولعبا وجاء في نهاية الليل ليذاكر والاختبار غداً، وعليه إنجاز المنهاج كله في ليلة واحدة·

تأجل السفر فجأة لمدة يومين، وأسعدني ذلك كثيرا لأن هذا التأخير أسعفني لإكمال ما كنت قد بدأت بقراءته·· قرأت كل ما وقعت عليه عيني، إضافة إلى الاستماع إلى زملائي السودانيين وخاصة أولئك الذين يرعون الشأن السياسي في الصحيفة·· وحتى يوم السفر كنت قد أعددت زاداً لا بأس به يجعلني على الأقل أتمكن من طرح الأسئلة المهمة بشأن الصراع، لعلمي أن الصعوبة تكمن دائما في طرح الأسئلة·· كان علينا أن نتجمع في مبنى القنصلية السودانية في دبي قبل مغادرتنا المطار متوجهين إلى الخرطوم، وكنت قد أمضيت حوالي الساعة أبحث عن مقرها في المدينة حتى قادني تفكيري إلى أن اترك سيارتي الخاصة، لأستقل تاكسي إليها لان الوقت مضى كالسيف· وفي القنصلية التقينا بسعادة السفير وبوجوه سودانية عديدة أظهرت لي جزءا من الصورة التي أنا مقبل عليها· كما تعرفت على زملاء الرحلة واستمعت إلى معلومات لا بأس بها حول قضية دارفور وجذور الأزمة· ولا أدري ما الذي أصابني، فرغم إلمامي النسبي بالموضوع الذي أتوجه إليه أصبت بحالة اكتئاب· وحقيقة الأمر لا تسعد أبدا، خاصة في ظل ما تناولته وكالات الأنباء عن الصراعات والقتال في المنطقة، والسلب والنهب والقتل على الهوية والأمور كلها لا تبشر بخير، إلى درجة تخيلي أنني لن أعود في ظل هذه المعطيات·
جلست في الطائرة مشتتا لا ادري ماذا افعل، هل أنام حتى نصل، لكن النوم لا يأتي·· أشاهد فيلما عبر تلك الشاشة التي نصبت على ظهر الكرسي أمامي؟ قررت أن أفعل ذلك لكن ذهني ذهب بعيدا، لتقاطعه المضيفة التي توزع ابتساماتها على جمهورها من الركاب، وسؤالهم حول تقديم خدمة شرب أو أكل، ولم اهتم بذلك كثيرا كما لم أشاهد ما كنت قد نويت مشاهدته··
الوقت يمر بطيئا وأخيرا، لكن ها قد حطت الطائرة في مطار الخرطوم وتم استقبالنا بحفاوة وكرم ضيافة شملتها تلك الحميمية التي يغرقك بها أبناء السودان الشقيق·· لم نقم تلك الليلة في الفندق الذي كان الكل مقرراً أن نبيت فيه، ولم نعلق كثيراً على السكن في ذلك الفندق المتواضع لأننا مرهقون، وبعد اقل من ساعة فوجئت بهرولة احد الزملاء وهو ينادي وهو ما أثار فزعي، فعندما تحركت لأعرف ماذا يحدث وجدت الزميل قد أصبح خارج الغرفة، فاقتربت منه، فطلب مني أن أنظر إلى السقف، وقال إنه لن ينام ليله في هذه الحجرة، فأخبرته أن لدي سريرين في الحجرة بإمكانك أن تأخذ واحدا·· لم يكن ذاك الذي أخاف زميلي سوى (برص)·

أدب جم·· وإعلام مقصر

كرر الإخوة المضيفون اعتذارهم عن عدم إقامتنا في الفندق الذي كان مقررا الإقامة فيه بأدب جم، وقالوا إن ضيوفاً كثيرين في الفندق الرئيسي الذي كان مقررا لنا وإننا في الصباح سنرحل إلى ذلك الفندق، وفعلاً تم ذلك، وكان الفندق المقصود ''هيلتون الخرطوم''·
لم ألمح شيئا غير عادي خلال جولتي في الخرطوم، الشوارع تمتلئ بالمارة، وبالسيارات وخاصة تلك العربات التي تسمى ''ركشه'' أو ''توك توك'' محلياً، وهي عبارة عن دراجة نارية مطورة إلى ما يشبه السيارة، ويرغبها الناس هناك لسهولة حركتها وسرعتها· كل ما حولي يوحي أن الحياة طبيعية، ولا يوجد شيء غير عادي كما النيلين يسيران متوازيين ليلفا خاصرة الخرطوم في انسياب رائع، الناس سعداء في قواربهم وخاصة تلك التي تجول بهم في النيل جيئة وذهاباً وسط الموسيقى وحركات الرقص السودانية التي ''يطرقعون لها أصابعهم كلما زاد بهم الطرب''· والملفت للنظر انه إذا وجهت تلك الطرقعة إلى احد من الموجودين لابد أن يقف ليجاملك ويطرقع بإصبعه أمامك دليلاً على الانسجام والمؤازرة ويسمونها ''تبشير''·
وقفت أمام النافذة التي تطل على النيل فانفرجت الأسارير وتبددت كل مخاوفي، وبدأت أشعر بارتياح وسط الحميمية والمحبة والاهتمام الذي شملنا به زملاؤنا ومضيفينا من أبناء السودان، وبدأت أشعر بغزل المدينة وغنجها· لا أدري لماذا شعرت بأن الخرطوم فتاة سمراء تبتسم وأن التقاء النيلين الأبيض والأزرق بداية لحمة تلك الشفاه، وقد برزت ابتسامة رائعة الجمال لكن الحزن شابها، لعله من واقع حالي وحالها· وعلى هذا غفوت لأستيقظ على صبح جديد، حيث شاهدت في الصالة الرئيسية للفندق ''عبدالسلام التريكي'' وزير الخارجية الليبي الأسبق، وهو آخر مسمى عرفته به حتى أشار لي أنه الأمين العام للاتحاد الإفريقي، مما أثار حفيظتي الصحفية، وعندما سألته عن سبب وجوده في الخرطوم بعد أن عرف إني إعلامي إماراتي، أشاد بنشاط الإمارات الإعلامي، وإننا موجودون في الخرطوم في هذا الظرف، وقال انه جاء للسودان للوساطة بين السودان وتشاد على اثر الصراع الأخير الذي قتل فيه نحو 17 سودانيا وشرح الموقف· بعدها جاء مسؤول الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام السودانية ليخبرنا أننا بصدد مقابلة وزير الدولة لشؤون الإعلام، واستقللنا السيارة متجهين إلى مبنى الوزارة الذي لم يكن بعيدا عن الموقع واستمعنا إلى أحاديث طويلة عن قدرة الإعلام الغربي الذي خطف قضية دارفور ونفخ فيها، وأججها، وتحدثنا كوفد إعلامي وأجمع الرأي على انه رغم امتلاك السودان قناة فضائية وصحافة مكتوبة وغيرها، إلا أن أداءها الإعلامي متواضع في هذه القضية· وتساءل الإعلاميون الإماراتيون لماذا لا يتم تخصيص 3 إلى 5 دقائق من البث التلفزيوني لقضية دارفور في القناة السودانية، فالوكالات العالمية تأخذ من الإعلام الغربي لأن الإعلام المحلي غير موجود، والساحة خالية له، وهذا قد يكون سببا في نجاح الآلة الإعلامية الغربية في هذا الإطار·

أخبار متواترة

كل يوم نسمع أخبار جديدة حول التوتر في إقليم دارفور، وكل يوم هناك أخبار في هذا الملف، ونحن نتلهف لرؤية الإقليم والاستماع إلى وجهات النظر من أهل الإقليم، سواء المعارض للسلطة أو المتوافق معها، وطلبنا ذلك من مضيفينا· وحقيقة كان برنامج الزيارة مضغوطا جداً، فما إن تقابل مسؤولا حتى تقابل الآخر، وتتحدث في نفس القضية·· كل الآراء أكدت على دور الإعلام الغربي في تأجيج قضية دارفور، ذلك المجتمع الذي يعاني منذ عام 1958 من ويلات ما يحدث، فهو مجتمع قبلي، جزء منه مستقر ويعمل في الزراعة، وآخر يرتحل خلال العام وفي حركته الدائبة التي لا تنقطع بحثاً عن الماء والكلأ يصطدم بأولئك المزارعين وتنشب الخلافات والقتال الذي يطال أولئك الجالسون في بيوتهم، فالنعرة القبلية ممتدة· ويدور الصراع الذي لا يتوقف إلا بتدخل أقطاب الخير من المجتمع القبلي للفصل في القضية، والتي غالباً ما تزهق فيها أرواح عديدة وتختتم بمجلس صلح يقفل بديات تسلم إلى أهل القتلى·
هكذا كانت تسير الحياة في تلك المنطقة ولا زالت، وما استجد في الأمر أن الإقليم كان مهمشاً من حركة التنمية خلال فترات الحكم المتعاقبة على السودان، رغم أنه يزخر بخيرات كثيرة فوق سطح الأرض، أو في باطنها· ولعل ما أشعل الأزمة المحلية ما تمخض عنه اتفاق ''نيفاشا'' بين الحكومة الانتقالية الحالية وجنوب السودان، خاصة بعد ظهور النفط· وما شعر به أهل إقليم دارفور من الغبن، وما تبع ذلك من مطالب لتقسيم السلطة والثروة وإشاعة الأمن في ظل حركة تنمية شاملة·

هذا ما دفع الشمال في تقدير المراقبين لإثارة قضية دارفور، إلى جانب رغبة بعض الجهات لتدويل الأزمة لتحقيق أجندتها، فالأمر اكبر من دارفور بل اكبر من السودان· في صباح اليوم التالي توجهت بنا السيارات إلى المطار، حيث كانوا أخبرونا بأننا سنتوجه إلى إقليم دارفور للوقوف على الحقائق على الأرض·

البداية إلى الفاشر

استقللنا طائرة خاصة يبدو أنها تعود لوزير الدفاع وانطلقنا بها إلى الإقليم وبالذات إلى مدينة ''الفاشر''، حيث حطت بنا الطائرة في مطارها بعد أكثر من ساعتين، وكان في استقبالنا عدد من المسؤولين في المنطقة الذين رحبوا بنا كثيراً كوننا أول جهة إعلامية عربية تأتي إلى تلك المنطقة· تحركت بنا السيارات إلى مقر القيادة العسكرية وجلسنا هناك وحاورنا اللواء الركن علي الشريف الطاهر قائد القوات السودانية بالمنطقة العسكرية الغربية، الذي أكد لنا أن مجمل الوضع الأمني في دارفور مستقر تماما منذ بداية العام الحالي حتى الآن، مشيرا إلى انه لم تقع أي معارك أو مناوشات بين المواطنين في الإقليم بشكل عام·
وأضاف أن ما يجري في دارفور ليس بالسوء الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، ولم تدر أي معارك مع الحركات الموقعة أو غير الموقعة على اتفاق ''ابوجا''، مشيرا إلى أن الإعلام الخارجي يتحدث عن انفلات أمني، وهذا الانفلات يمكن أن يحدث في أي دول في العالم· موضحا أن إقليم دارفور يتاخم من الشمال الحدود الليبية ومن الغرب مع تشاد ومن الجنوب مع إفريقيا الوسطى، وبعد توقيع الاتفاق (يقصد ابوجا) اطمأن المجتمع الدولي للوضع الأمني المستقر، خاصة بعد أن وقعت الحركات المعارضة على الاتفاق وأصبحت جزءا من الحكومة، في حين يتوقع أن يقبل باقي أطراف المعارضة ليتم الاستقرار بشكل كامل·

تشاد على الخط

بين الطاهر الشريف - قائد القوات السودانية بالمنطقة العسكرية الغربية - أن بعض المناطق يصعب التحرك فيها، حيث توجد مناطق آمنة ومناطق تحتاج إلى حراسات، وذلك بسبب وجود بعض قطاع الطرق والحركات غير الموقعة على اتفاق ابوجا، وهؤلاء يدفعون إلى الانفلات الأمني بالمنطقة، وأضاف أن كل المنظمات الاغاثية الموجودة في دارفور تتحرك بسلام، كما انه وفي القريب العاجل سيتم تطبيق الجانب الأمني بالكامل والذي تضمنته اتفاقية ابوجا· مؤكدا أن السيطرة الأمنية على الإقليم وصلت إلى أكثر من 80 بالمائة، كما أن جنوب دارفور خال الآن من الحركات المتمردة، وانه في غرب الإقليم وصلت السيطرة الأمنية إلى 90 بالمائة، ولا يوجد هناك حركات معارضة·
وحول التدخلات العسكرية التشادية، أشار الطاهر إلى أن تشاد اخترقت الحدود على مسافة كيلومترين وتم صدهم في منطقة ''خور برنقا'' وعادت القوات التشادية مباشرة، حيث قتل 17 جنديا سودانيا في تلك المواجهة، وقد صدر في ذلك الوقت بيان من القوات المسلحة ووزارة الخارجية، وتم إخطار جميع الهيئات الدولية والعربية بالحادث، مواصلا حديثه بان المنطقة الآن آمنة ولا يوجد أي مشاكل تذكر، وان الجانب التشادي بحسب زعمه كان يطارد المعارضة التشادية، إلا أن ذلك لا يبرر لهم دخول قواته الإقليم، واصفا إياه بأنه سلوك غير مبرر نهائيا· وأضاف ''كان يمكننا الرد مباشرة على تشاد، إلا أننا وحفاظا على العلاقات الودية لم نرد''· وأضاف في إشارة إلى الدعم الذي تقدمه تشاد إلى بعض أطراف المعارضة السودانية، أن بعض الحركات المسلحة والمعارضة في دارفور تستخدم ذات الطرق القتالية التي يستخدمها الجيش التشادي، كما أن السلاح يزود من جهات أجنبية رفض تحديدها، ويتم تدريبهم عليها ولديهم أسلحة وقذائف متطورة·