الاتحاد

دنيا

«لعنة الطين» يفضح مافيات الفساد والإثراء غير المشروع

مشهد من مسلسل «لعنة الطين»

مشهد من مسلسل «لعنة الطين»

مسلسل (لعنة الطين) ربما يكون المسلسل الأكثر جرأة في موسم رمضان المقبل، لأنه يتكلم عما كان مسكوتاً عنه! وعن مافيات الفساد التي تزعمها بعض كبار المسؤولين السابقين في سوريا في عقد الثمانينيات، وكيف استغلوا الحصار المفروض على سوريا والضائقة التي عاشها المواطن البسيط والعادي كي يراكموا الثروات، وكي يقيموا مافيات المال المدعوم بالسلطة، ليتلاعبوا بقوت الناس ومقدراتهم.

لعل من المفارقات الدامية التي يتناولها المسلسل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتصدي الجيش السوري لهذا الغزو وتقديمه تضحيات جسيمة في الأرواح والعتاد في وقت انصرف فيه بعض كبار المسؤولين السابقين إلى استغلال الحرب وزمن الحصار والضائقة لمراكمة الثروات على حساب الناس.
أما المفارقة الثانية وهي فنية، فتتجلى في أن رقابة الأعمال الفنية رفعت سقف الحرية إلى حد كبير، لتناول هذه الظاهرة وكشف خفاياها ربما لتوفر القناعة بأنه قد آن الأوان لكشف ممارسات الفساد والإفساد التي وقعت في عقد الثمانينيات بعد مرور ثلاثين عاماً من الزمن على الأحداث. وكل ما فعلته الرقابة هو أنها طلبت إغفال بعض أسماء الشركاء اللبنانيين في مافيات الفساد السورية لحساسية العلاقة السورية اللبنانية، ولعدم التأثير على مستقبلها، ولاسيما أنها تتطور حالياً باضطراد نحو الإيجابية.
وثيقة درامية
كاتب المسلسل سامر رضوان يصف عمله بأنه وثيقة درامية (متخيلة) فيها شخصيات واقعية وفيها وقائع (حدثت) أو يمكن أن تحدث، لكنه ليس وثيقة تاريخية، لأن العمل يعرض لآلية الفساد والمفسدين ولمافيات المال. وحتى لا يتعرض المسلسل لنوع من المطابقة بين ما يقدمه وبين ما يتداوله الشارع السوري من حكايا وقصص الفساد، فإن الكاتب يستخدم كلمة (المتخيلة) كي لا يتهم بأنه أنقص أو زاد.
أما المخرج أحمد إبراهيم الأحمد فيعتبر أن المسلسل يقدم أحداثاً عبر شرائح إنسانية مختلفة، ليرصد بعض ما جرى في بداية الثمانينيات من القرن الماضي وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والتضحيات التي قدمها الجيش العربي السوري في مواجهة هذا الاجتياح، والبسالة التي أظهرتها المقاومة، ومن خلال هذه الوقفات الكبيرة يتم تسليط الضوء على الفساد والإثراء غير المشروع والمتاجرة بمعاناة الناس وجراحاتهم من قبل بعض الفاسدين والمتنفذين، حيث يشير كاتب العمل إلى أن ما سهل مهمته في كشف الحقائق (المتخيلة) هو ظهور الذين أسهموا في فساد تلك المرحلة على حقيقتهم، وهو يقصد أحد أبرز المسؤولين السوريين السابقين.
ضحايا الفساد
في المسلسل بطلان، الأول رأس للفساد، والثاني ضحية. حيث يجسد الفنان خالد تاجا شخصية المسؤول السوري الكبير السابق، فهو يرعى الفساد مع المافيا التي يقودها، ويستثمر نفوذه في تسهيل عمليات التهريب عبر الحدود اللبنانية، وفي صفقات كثيرة، ويهيمن على حياة مجموعة من الناس، من بينهم الشاب الضحية (عامر) ويلعب شخصيته الفنان مكسيم خليل، حيث نشأ عامر في إحدى قرى الساحل السوري، وكان حلمه أن يدرس الهندسة، ويتاح له ذلك ويقيم في المدينة الجامعية، لكن أسرته تتعرض لمكيدة وخدعة، وتظهر في حياته فجأة شخصية المسؤول الكبير السابق، الذي يقوده إلى ترك دراسة الهندسة وإلى الانتساب للجيش، وعقب تخرجه من الكلية الحربية يطلب المسؤول أن يخدم في حاشيته، لكن عامر يفضل الاستقالة بدلاً من ذلك، فيعاقبه المسؤول ويلفق له تهمة تؤدي به إلى السجن لمدة عشرين عاماً، ثم حين تنكشف حقيقة المسؤول، ويفر من البلاد، يخرج عامر من السجن.
وما بين خالد تاجا الذي يلعب شخصية المسؤول الكبير (عبد العليم)، وما بين عامر الشاب الضحية تبرز محاور وشخصيات كثيرة تعكس طبيعة الحياة في زمن المسلسل، فعلى محور الشر والفساد هناك طلال (قاسم ملحو) أحد بلطجية الشوارع في التهريب وترويج المهربات، والذي يتحول بنفوذ المسؤول الكبير إلى صاحب نفوذ (يحل ويربط)، ويتخذ مكتباً راقياً، وتتوسع أعماله الشريرة لتشمل ترويج المخدرات وتزوير العملة، وهناك (سلوم) المجرم الذي تتركز مهمته في البلطجة وإلحاق الأذى الجسدي بالآخرين لردعهم وإرهابهم، وهناك ناجي (عماد نجار)، وهو مهرب كبير يرتبط مباشرة بالمسؤول السابق ويسخر نشاطه في خدمته.
وجوه للطيبة
وفي مقابل عناصر الشر، سنشاهد وجوهاً للطيبة، فموفق (طارق صباغ) جاء من قريته ليدرس طب الأسنان، لكن وضع أسرته المادي الصعب، تضطره للعمل مع الدراسة ليساعدها، وهناك فيروز (روعة ياسين) الطالبة التي تسكن في المدينة الجامعية، والتي يحاول أحد الأشقياء زجها في مشكلات كثيرة، فينتصر لها طلاب المدينة الجامعية ويتصدون للشقي ومجموعته.
وهكذا تأخذنا الكاميرا إلى المدينة الجامعية لنعيش حياة الطلاب والطالبات ومشكلاتهم، كما تنقلنا من دمشق مسرح الأحداث إلى قرى الساحل السوري.
وفي المسلسل تظهر أيضاً شخصية الصحفي السوري الذي كان يعمل في إحدى الصحف اللبنانية وشارك في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 من خلال أحد الفصائل الفلسطينية، لكنه حين يتقدم للعمل في إحدى الصحف السورية لا يُقبل، رغم أنه يملك خبرة وكفاءة عاليتين، مما يضطره لفتح محل للحلاقة الرجالية، تجعله يجتر ماضيه النضالي أمام الزبائن، ويسلط الضوء على تفاصيل غير معروفة في مجريات الحرب والمقاومة.
وعلى أرضية أحداث الشر ومافيات الفساد، نعيش فصولاً من تداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومن خلال مجموعة من الحكايات المتشابكة والمتوازنة، تنكشف أمام المشاهد الأرضية الاجتماعية التي كانت تسود الحياة قبل ثلاثين عاماً، ولا يغفل المسلسل العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني، وكذلك علاقات الشعبين مع فصائل المقاومة ودعمهما لها.
شخصيات وفنانون
إضافة إلى الفنانين الذين ذكرنا أدوارهم، يشارك في هذا المسلسل الجديد كل من الفنانين سمر سامي وفارس الحلو وعبد الهادي صباغ وعبد المنعم عمايري وروعة ياسين وكاريس بشار ورنا شميس وربا مأمون وغيرهم. ويقع العمل في ثلاثين حلقة، وهو من إنتاج شركة (قبنض). وتدور الكاميرا الآن في منطقة الربوة في دمشق لتصوير مشاهده التي ستستكمل في الساحل السوري ليكون جاهزاً للعرض في رمضان المقبل

اقرأ أيضا