تقارير

الاتحاد

صدع جديد بين واشنطن وإسلام آباد

بينما شيعت باكستان الأحد الماضي جنودها الـ24 الذي قُتلوا في ضربة جوية نفذها "الناتو" السبت الماضي إلى مثواهم الأخير، واصل كبار مسؤولي الدولة البعث برسائل الغضب على الحادث إلى حلفائهم الأميركيين والأفغان؛ حيث ظلت الشاحنات التي تحمل إمدادات إلى قوات التحالف في أفغانستان متوقفةً لليوم الثاني في المعبرين الحدوديين الرئيسيين في باكستان التي عمدت إلى إغلاق الممرين رداً على هجوم نددته ووصفته بغير المبرر. وفي اتصال صباحي مبكر مع وزيرة الخارجية الأميركية، قالت وزيرة الخارجية الباكستانية، إن الحادث "ينسف التقدم الذي أحرزه البلدان بخصوص تحسن العلاقات". كما أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أنها قدمت أيضاً احتجاجاً إلى أفغانستان، تدعو فيه هذا البلد المجاور إلى اتخاذ "التدابير اللازمة" لمنع ضربات جوية انطلاقاً من أراضيه مستقبلاً.
غير أنه في بيان صادر عن "الناتو"، وصف أمين عام الحلف، الضربة الجوية باعتبارها "حادثاً مأساوياً غير مقصود". وقال "راسموين" : "إن مقتل موظفين باكستانيين أمر مؤسف وغير مقبول تماماً على غرار مقتل موظفين أفغان ودوليين". الضربة الجوية، التي يقول "الناتو" إنه قد فتح تحقيقاً بشأنها، أثارت غضباً عارماً من الولايات المتحدة التي ينظر إليها الكثير من الباكستانيين كخصم أكثر منه كشريك؛ حيث وصف عنوان في عدد يوم الأحد من صحيفة "ذا نيوز" الصادرة باللغة الانجليزية الحادث بأنه "مذبحة". كما احتج آلاف الأشخاص أمام قنصلية الولايات المتحدة في مدينة كراتشي الواقعة جنوب البلاد، حسبما أفادت وكالة "رويترز".
وكان الجيش الباكستاني قال يوم السبت الماضي إن مقاتلات ومروحيات "الناتو" أطلقت نيرانها على نقطتي تفتيش حدوديتين وقتلت 24 جندياً، حادث أدخل التحالف الصعب بين البلدين إلى أزمة جديدة، وزاد من الانتقادات الداخلية لتعاون باكستان مع الجهد الحربي الأميركي في أفغانستان.
وقد سارعت باكستان إلى التعبير عن تنديد شديد وغاضب بالضربة التي نفذت في ساعة مبكرة من الصباح في منطقة "موهماند" القبلية بمحاذاة الحدود الأفغانية، والتي اعتبرها الجيش "اعتداء" غير مبرر. وبعد ساعات على الحادث، ردت باكستان عبر إغلاق المعبرين الحدوديين اللذين تستعملهما الشاحنات لنقل نحو نصف الإمدادات إلى قوات التحالف التي تقاتل في أفغانستان. ويذكر هنا أن باكستان لا تسمح لقوات التحالف تلك بدخول أراضيها أو إطلاق النار منها.
وتأتي الضربة، التي قال مسؤولون من "الناتو" إنها موضوع تحقيق الآن، في الأسابيع الأخيرة من عام تلقت فيها العلاقة الثنائية ضربات غير مسبوقة، ومن ذلك الغارة الأميركية التي قتلت بن لادن في باكستان في مايو الماضي. وعلى غرار ما فعلته عقب تلك الغارة، نددت باكستان بضربة السبت الماضي باعتبارها خرقاً غير مسموح به لسيادتها، في وقت قال فيه مسؤولون وسياسيون هنا إن الضربة إنما تبرز عدم احترام الولايات المتحدة للأرواح الباكستانية ومن شأنها تأجيج الإرهاب. الحادث جاء في أعقاب أشهر من التوتر على الحدود، ووسط هجوم أميركي في شرق أفغانستان على المتمردين الموجودين على الأراضي الباكستانية.وخلال تبادل سابق لإطلاق نار عبر الحدود، كان مسؤولون باكستانيون قالوا إن أي إطلاق للنار من الجانب الباكستاني للحدود إنما يأتي من المتمردين، وليس من الجنود الباكستانيين. ورغم أن باكستان قالت إن حادث السبت لم يكن رداً على أي استفزاز، فإن شريط الأحداث مازال غير واضح بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين قالوا إن المؤشرات الأولى تشير إلى أن القوات الأميركية والأفغانية تعرضت لإطلاق نار من الجانب الباكستاني للحدود ما دفعها إلى استدعاء دعم جوي.
وهذا وكان البلدان قد صمدا في وجه أزمات سابقة، مشيرين إلى علاقة اعتماد متبادل تتلقى فيها باكستان مليارات الدولارات من المساعدات، بينما تحصل الولايات المتحدة على طرق إمدادات ومساعدة في محاربة المتمردين. ويقول مسؤولون أميركيون وباكستانيون إن العلاقات شهدت تحسناً منذ الزيارة التي قامت بها كلينتون في أكتوبر الماضي، وحثت خلالها باكستان على استهداف المتمردين بشكل أكبر في المناطق القبلية، وطلبت منها أيضاً المساعدة في محادثات سلام ممكنة مع "طالبان".
باكستان عمدت العام الماضي إلى إغلاق معبر "ترخام" الحدودي لعشرة أيام بعد ضربة جوية لـ"الناتو" أسفرت عن مقتل جنديين باكستانيين. واعتذرت الولايات المتحدة عنها بعد تحقيق مشترك اعتبر ما حدث مجرد حادث. ولكن الحصيلة المفترضة لضربة يوم السبت الماضي (24 قتيلاً) هي الأكبر من نوعها في تاريخ التحالف بين الدولتين الذي بدأ قبل عشر سنوات، كما يشير المسؤولون الباكستانيون إلى أنهم سيكونون أقل استعداداً للمسامحة. وفي هذا الصدد، طالب قائد الجيش الباكستاني، في بيان صادر عنه بـ"اتخاذ كل الخطوات اللازمة من أجل رد فعال على هذا العمل غير المسؤول". ومن جانبها، قالت الحكومة الباكستانية إنها "تشعر بغضب كبير" محذرة من "تداعيات وخيمة " على تعاون باكستان مع الولايات المتحدة والقوات الدولية في أفغانستان. وبعد اجتماع عقد في وقت متأخر من الليل، أشارت لجنة الدفاع التابعة للحكومة إلى أن المعابر الحدودية ستظل مغلقة إلى أجل غير مسمى.
وبدا من المؤكد أن الضربة الجوية ستؤجج المشاعر المناوئة للأميركيين في باكستان حيث ينظر الكثيرون إلى الولايات المتحدة كعدو. موقف ازداد وتكرس مع الشعبية المتزايدة لنجم الكريكيت الذي تحول إلى سياسي، عمران خان، الذي قال لآلاف الأنصار في تجمع يوم السبت إن الوقت قد حان لإنهاء التحالف الأميركي مع باكستان، إذ قال: "إن الأميركيين يهاجمون جنودنا ويقتلونهم"، مضيفاً "إننا نصيح منذ وقت طويل بأن هذه الحرب ليست حربنا!".

كارن بروليارد - إسلام آباد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا