تقارير

الاتحاد

ميدان «التحرير»...وأغلبية مصر الصامتة

على بعد عدة أميال من المكان الذي كانت تتزاحم فيه حشود المحتجين المناوئين للحكم العسكري في وسط القاهرة يوم الأحد الماضي، عشية أول انتخابات برلمانية تجرى في مصر منذ ثورة الشتاء، كان الفلاح "سيد الحسن" منهمكاً في تحميل عربته الخشبية التي يجرها حمار بثمار الملفوف والبروكولي من أحد الحقول اليانعة الخضرة الممتدة في المنطقة.
هذا الفلاح الذي كان يرتدي ملابس متواضعة تشي بفقره يعمل بالزراعة منذ كان عمره عشر سنوات، مثله في ذلك مثل الملايين من المصريين، عليه أن يكد ويشقى حتى يتمكن هو وعائلته من العيش على مبلغ لا يزيد على دولارات قليلة في اليوم.
ويقول "سيد" إن الرزق القليل الذي كان يأتيه قد تقلص تقلصاً دراماتيكيًا منذ الانتفاضة التي أطاحت حكم مبارك لدرجة أنه بات قادراً بالكاد على شراء كيس السماد الذي يحتاجه للزراعة، والذي لا يزيد ثمنه على 25 دولاراً.
وبعيداً عن حقله دخلت الأمة المصرية في أزمة سياسية متفاقمة ألقت بظلال قاتمة على الانتخابات البرلمانية التي بدأت أولى مراحلها أول أمس الاثنين، والتي ستكون انتخابات تاريخية بمعنى الكلمة لأنها أول انتخابات تجري بعد مبارك الذي اشتهر حزبه الوطني الديمقراطي -الذي تم حله- بتزويرها.
مع ذلك فإن تلك الانتخابات التي كان يفترض أنها أولى ثمار الثورة، تبدو وكأنها ستتحول إلى عقبة في طريق تلك الثورة التي مازالت أبعد ما تكون عن الاكتمال.
ويقول "سيد" إنه يفهم مطالب المحتجين في ميدان "التحرير"، والذين يطالب الآلاف منهم بإبعاد الحكام العسكريين عن السلطة ووضع نهاية لانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبوها، ولكنه مثله مثل معظم المصريين الذين ينتمون لما يعرف بـ"الأغلبية الصامتة" لا يمتلك المال ولا الوقت الذي يمكنه من عمل شيء.
يقول "سيد" الذي ملئت التجاعيد وجهه بسبب العمل الشاق في الحقل تحت شمس حامية في معظم الأوقات: "نحن فلاحون نذهب من بيوتنا للحقول ومن الحقول لبيوتنا مرة أخرى"، ويضيف قائلاً:"والزمن كفيل إن شاء الله بمداوة جراح مصر، وتخليصها من الفساد". ويقول أيضاً "إنه يتعاطف مع مطالب المتظاهرين ويتمنى حدوث التغيير، ولكنه يخشى من الفوضى التي تجلبها الثورات".
وتأتي الانتخابات بعد تسعة أيام من الاحتجاجات الصاخبة والعنيفة في ميدان "التحرير" الشهير بوسط القاهرة، والتي قوبلت برد فعل وحشي من قوات الأمن والقوات المسلحة، أدى إلى مصرع 42 شخصاً وإصابة ما يزيد على 3000.
ويتمسك القادة العسكريون بموقفهم ويرفضون التنازل فوراً عن السلطة لحكومة مدنية، كما يطالب بذلك المتظاهرون على أساس أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى الفوضى.
وفي الوقت الذي يحاول فيه"سيد" وأمثاله أن يعيشوا على الكفاف، فإن أعلى الأصوات في هذا البلد الذي يبلغ عدد تعداد سكانه 82 مليون نسمة مقسمة بين معسكرين: أحدهما مناوئ لحكم العسكر والثاني مؤيد لهم. وقد قام المعسكر المؤيد لخطط قادة الجيش بالبقاء في السلطة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية باستعارة تكتيكات المعسكر الآخر، والقيام بمظاهرة مليونية تأييداً للقوات المسلحة يوم الجمعة القادم.
في ظل هذا الاستقطاب الحاد يخشى الكثيرون من اندلاع العنف أثناء الانتخابات التي تعتبر تاريخية. وفي حين علق بعض المرشحين حملاتهم الانتخابية، فإن آخرين قرروا المضي قدماً فيها. وحتى الآن لم ينسحب سوى عدد محدود من المرشحين من السباق الانتخابي، وإنْ كانت أسماؤهم ما زالت مدونة في السجلات الانتخابية. ويخشى الكثيرون من المصريين أن يلجأ الأثرياء من أعضاء الحزب "الوطني الديمقراطي" المنحل إلى استئجار البلطجية لإرهاب الناخبين والتأثير بالتالي على نتيجة الانتخابات.
والقلاقل التي تسود مصر جعلت من مذاق أول تجربة ديمقراطية في عهد ما بعد الثورة حلواً ومراً في ذات الوقت في حلق "سيد" وغيره حيث يقول:" يجب أن يذهب الجميع إلى بيوتهم الآن حتى نستطيع أن نعيش ونطعم أطفالنا" وأضاف:"نحن نريد أن يسود الاستقرار بلدنا".
وفي هذه المنطقة الزراعية نجد أن الأصوات منقسمة شأنها شأن أصوات الناس في بقية مناطق مصر.
فالفلاح"عبد الفتاح علي" الذي يمتلك حقلاً مجاوراً لحقل "الحسن" نزل من دراجته وانضم للمحادثة في الوقت الذي كان فيه العاملين في الحقل يتأهبون للمغادرة.
قال"علي":" لولا المجلس العسكري لكانت مصر قد دمرت" وأضاف:" لا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحدث مليون أو حتى خمسة مليون متظاهر بالنيابة عن 82 مليون من سكان مصر... ويجب أن نكون واقعيين ونعرف بأن الفساد الذي استمر لما يزيد على ثلاثين عاماً لا يمكن أن يعالج بين ليلة وضحاها، ثم أن الكون نفسه خُلق في ستة أيام وليس في يوم واحد".
وقال فلاح آخر يدعى كمال أحمد إبراهيم كان يتأهب لحصد محصول العدس بالمنجل ووضعه في حزم كبيرة:"لو كنا قد ذهبنا مثل غيرنا للتظاهر ضد القوات المسلحة لما تمكنا من توفير الطعام لعائلاتنا". وقال"ابراهيم" الذي لا يعرف القراءة والكتابه مثل والده وجده أنه يتمنى أن يتمكن من تعليم أبنائه حتى يطالبوا بحقوقهم كما يفعل المحتجون في التحرير.
وينوي ابراهيم وغيره الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الحالية. وأصواتهم كما يقولون سوف تذهب إلى حزب العدالة والحرية الممثل للإخوان المسلمين. وعلى الرغم من ان المحتجين اتهموا الحزب بالانتهازية السياسية لعدم مشاركته في الاحتجاجات إلا أن ابراهيم يرى مع ذلك أن هذا الحزب قد جرب القهر والفقر وعانى معاناة كبيرة تحت حكم مبارك. كما أن الجماعات الإسلامية كانت هي التي تقدم المساعدات وتقوم بحملات لتوفير الغذاء والكتب للفقراء"
وأنهى إبراهيم كلامه بالقول" لقد انقلبت الدنيا رأساً على عقب هذا الاسبوع كما رأينا وهو ما أضر بعملنا ولكن لا بأس بذلك لأن الأمر يتعلق بالمستقبل الذي ينتظر عائلاتنا جميعاً".

ليلى فاضل - القاهرة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا