أرشيف دنيا

الاتحاد

ميلاد أمة وختام رسالات السماء

في كل عام يتجدد علينا الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وسلم ) ومن الملفت في هذا الاحتفال أننا نختزل هذه المناسبة في شخص النبي (صلى الله عليه وسلم) في حين أن ميلاده عليه الصلاة والسلام إنما هو ميلاد لأمة، وظهور لرسالة بزغت من خلالها نور الهداية من الحق إلى الخلق.
هذه الأمة التي اختصها الحق سبحانه وتعالى برسالة لها من المميزات ما ليس لغيرها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال “أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وختم بي النبيون”.
ولعل مما يستفاد من هذا الحديث الشريف أنه احتوى على مميزات وخصائص الرسالة المحمدية دون غيرها مما سبقها من الرسالات الإلهية، ولعلنا نلحظ من تلك الخصائص والمميزات أن رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) رسالة خاتمة لا نبوة ولا رسالة بعدها .
يقول سبحانه “مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ” الأحزاب: 40 . ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه الإمام البخاري “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ؟! فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين”.
ولما كانت الرسالة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام هي خاتمة الرسالات، أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمتد إليها يد الجهالة بالتغيير والتحريف والتبديل ، ومن ثم أعلن الحق سبحانه وتعالى في كتابه أنه هو سبحانه المتكفل بحفظها، والقائم على رعايتها وبقائها.
فالرسالات السابقة كانت مرهونة بوقت معين وزمان محدد، ومن ثم وكَل حفظها إلى علمائها وأهلها، إذ لو حدث تحريف فيها لأتى نبي بعد ذلك إلى تصحيح وتقويم ما أعوج في الرسالة السابقة بيد أنه لا نبوة ولا رسالة بعد محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ولا نبي ولا رسول ، ومن ثم تكفل الحق سبحانه وتعالى برعايتها وحفظها، يقول الحق سبحانه “ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر 9. ويقول سبحانه في آية أخرى “لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ” فصلت 42 .
ثم أعطى الله سبحانه وتعالى لعلماء هذه الأمة ميزة عظيمة في العناية برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)، يقول (صلى الله عليه وسلم): “العلماء ورثة الأنبياء”.
ومن ثم قام العلماء في الأمة المحمدية مقام الأنبياء في غيرها من الأمم في العناية بهذه الرسالة والحفاظ عليها، أضف إلى ذلك أن مما فضل الله سبحانه وتعالى به الرسالة المحمدية على غيرها من الرسالات أنها رسالة عالمية لم تختص بقوم دون قوم أو بجنس دون جنس، أو بأمة دون أخرى، ولا يعني أنها ظهرت في بداية أمرها في الأمة العربية أنها خاصة بهم دون غيرهم ، وإنما أراد الحق سبحانه أن يشرف هذه الأمة بأن تكون أرضه رحماً لهذه الرسالة، وفيها تولد، ومنها تنطلق إلى شتى بقاع الأرض في كون الله.
ولعل مما يشهد على ذلك خصوصية الخطاب لدى الأنبياء السابقين، وعموميته بالنسبة لمحمد (صلى الله عليه وسلم) . يقول سبحانه في حق نوح عليه السلام “ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ” نوح: 1 . ويقول سبحانه “وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا” هود: 84 . ويقول سبحانه “وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا” الأعراف 73.
أما في حق محمد (صلى الله عليه وسلم) قال الحق سبحانه “ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” الأنبياء 107. والعالمين لفظ يشمل الإنس والجن ، يقول سبحانه في سورة الأعراف “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا” الآية 158. ومما تجدر ملاحظته في هذا السياق أن عالمية الإسلام باعتبار أنها شاملة للناس كافة فإنها في الوقت ذاته تختلف اختلافاً بيناً عن العولمة التي تهدف إلى جمع العالم في وحدة واحدة ، فعالمية الإسلام أساسها اختيار وتراض، شعارها ( لا إكراه في الدين) ومن ثم فلا جبر ولا إكراه على الدخول فيه، أضف إلى ذلك أن عالمية الإسلام تسمح بالتعدد الثقافي في إطارها، فقد شملت في ظلها صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي، وفوق ما تقدم نلحظ أن الرسالة المحمدية موافقة في أحكامها للفطرة الإنسانية.
ومن ثم يجد كل من صفت فطرته متجرداً للحق في أحكامها وتشريعاتها قبولاً وإقناعاً، ولعل من أبرز ما يدل على ذلك الشاب الذي أتى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد ثارت ثائرت الشهوة في نفسه، فطلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يرخص له في الزنا ، فعالجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأحكام التشريعية لهذه الرسالة والتي تتجاوب وتتناغم مع الفطرة الإنسانية قائلاً له : أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لابنتك؟ أترضاه لزوجتك ؟ إلى أن ينتهى - صلى الله عليه وسلم - من تعداد محارمه، والشاب بنبرة صادقة يقول: لا ثم يخرج من عند النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد ذهب ما يجده في قلبه تجاه هذه الغريزة ، وهذا هو علاج الفطرة وصوتها.
من أجل هذا كانت المخالفات المادية للأحكام التشريعية في الرسالة المحمدية تخلف ورائها الدمار الجسدي والنفسي والاجتماعي، فمن استباح الزنا لنفسه مخالفاً فطرة الله سبحانه في النهي عنه نجده عرضة للأمراض الجنسية “الإيدز” والأمراض النفسية والاجتماعية، إذ يعاني المجتمع في أمنه من ظاهرة مجهولي النسب.
وفوق ذلك كله نجد هذه الرسالة تتجاوب في تشريعاتها مع متطلبات العصر ومقتضيات الزمان والمكان ، لذا تضمنت المبادئ الكلية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والجزئيات الفرعية التي لا يمكن تطويعها على حسب ظروف الناس وأحوالهم في كل زمان ومكان ، فحيثما كانت المصلحة المنضبطة للإسلام فثم شرع الله.


د. محمد عبدالرحيم البيومي
أستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات

اقرأ أيضا