الاتحاد

دنيا

هل تتحول أسطورة كميرا إلى واقع؟

إعداد-هالة دروج:
بدأ العلماء يجرون أبحاثهم لإنتاج ما يطلق عليه اسم كميرا، وهو المخلوق الخرافي الذي يعرف بأن نصفه إنسان ونصفه حيوان· فالعلماء الصينيون في جامعة شانجهاي تمكنوا بنجاح في عام 2003 من حقن خلايا بشرية في بيض أنثى الأرنب· وقد استمرت الأجنة الناتجة بالتطور لعدة أيام في المختبر قبل أن تدمر من أجل الحصول على الخلايا الجذعية· وتلك كانت أول محاولة ناجحة لانتاج هذا النوع من المخلوقات الغريبة· وفي العام الماضي تمكن العلماء في مايو كلينك من إنتاج خنازير تسري في عروقها دماء بشرية· كما يخطط الباحثون في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا لإجراء تجربة لانتاج فأرة بدماغ بشري في وقت لاحق من العام الحالي·
صحيح أن هذه الأبحاث كلها جديدة وتنطوي ضمن التطورات العلمية الهائلة التي يشهدها العصر الحديث، الا أن من الملاحظ أن المخلوقات التي تجمع مواصفات أكثر من نوع تواجدت بشكل كبير في حكايا الشعوب وأساطيرهم· فرأس الانسان على جسم الأسد يشكل ما يعرف باسم سفينكس، وان وجد على جسم السمكة نحصل على حورية البحر، وعلى جسم الطير يكون ما يطلق عليه اسم السيرانة التي تشير الأساطير الى أنها كانت تسحر الملاحين بغنائها فتوردهم موارد الهلاك· هناك أيضا وجود لكائن نصفه رجل ونصفه حصان أو ثور، وآخر نصفه امرأة ونصفه أفعى· وجدت هذه الكائنات التي قد تكون من نسج خرافات موغلة في القدم طريقها الى كتابات هوميروس وهيسيود، ونالت نصيبها من التحليل والدراسة· ثم ألهمت خيال الرسامين والنحاتين الذين قاموا بتخليدها في تماثيل ولوحات بديعة· لكن كيف نشأت فكرة كميرا بين الشعوب؟
الكائنات العجيبة
المصادر الأدبية لهذه المخلوقات هي أعمال كل من هوميروس وهيسيود التي تعود الى القرن التاسع قبل الميلاد· فحسب هوميروس كميرا هي كائن 'مقدمته مثل الأسد، ووسطه مثل الماعز ومؤخرته كالأفعى·' وهو نفس الوصف الذي أورده هيسيود الذي أضاف أنها كانت تمتلك ثلاثة رؤوس· كما أشار كلا الكاتبين الى مقدرتها على نفث النيران من فمها· وصفت كميرا في جميع الأعمال الأدبية على أنها أنثى، وقد يكون ذلك بسبب اسمها الذي يعني باللغة الإغريقية القديمة 'العنزة الصغيرة'· لكنها كانت رفيعة النسب اذ تنتمي الى طبقة الآلهة، ويمتاز أفراد عائلتها بغرابة أشكالهم· فأمها ايكيدنا نصفها امرأة ونصفها أفعى، وشقيقاها هيدرا هو أفعى مائية بتسعة رؤوس وأورثروس هو كلب بعدة رؤوس أيضا·
قتلت كميرا على يد البطل بيليروفون وهو أيضا من الآلهة· تعتمد الأسطورة هذه أيضا على نوع غريب من الكائنات حيث استخدم البطل فيها حصانا مجنحا ثم طار به فوق رأس كميرا ليتجنب نفث النيران التي تخرج من فمها ثم انقض عليها برمحه فغرسه في رقبتها وقتلها·
ذلك ما يستخلصه الباحثون عن أصول أسطورة كميرا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو معنى اقبال البشر منذ القديم على اطلاق العنان لخيالهم لتصوير كائنات غريبة عن كل ما يوجد حولهم في الطبيعة·
أول اجابة منطقية عن معنى أسطورة كميرا تعود الى القرن الرابع الميلادي وتشير الى أن كميرا التي تنفث النيران هي تجسيد عفوي لجبل بركاني يحمل نفس الاسم· ثم تأتي المؤلفات الايطالية في القرن التاسع عشر لتتحول عن فكرة البركان وتعطي تفسيرا فلكيا معقدا لهذه الأسطورة يشير الى كميرا على أنها برج الأسد والنيران التي تنفثها هي رمز لحرارة الصيف· وفي عام 1955 قدم روبرت جرايفس في كتابه 'أساطير الاغريق' تفسيرا فلكيا قريبا عندما قال إن أجزاء كميرا الثلاثة الأسد والماعز والأفعى تشير الى فصول السنة الثلاثة، كما كان سائدا في زمن الاغريق القدماء· كما يعتقد جرافيس أن كميرا قد تكون تجسيدا لفترة الانتقال من العصر الذي سادت فيه آلهة القمر الى عصر آخر تولت السيادة فيه ملوك الشمس·
لكن بغض النظر عن كل تلك التفسيرات، ما هو الهدف من تصوير كميرا بشكل يجمع بين الأسد والأفعى والماعز· فهي في النهاية وحش يثير الخوف في النفوس ولذلك قد تنفع الاستفادة من شعور الانسان تجاه الأفعى والأسد في هذا الاتجاه، ولكن ما فائدة إقحام الماعز في الشكل؟ يعتقد البعض أن وجود الماعز في وسط جسم كميرا قد حل بالخطأ مكان زوج من الأجنحة·
اذا المخلوق الأسطوري قد يكون في الأصل أسدا مجنحا· فالأسود كانت تعيش في اليونان وايطاليا منذ العصور القديمة، ولكنها كانت أكثر شيوعا في شمال أفريقيا وبلاد الرافدين· فهناك الكثير من الصور واللوحات التي تظهر الملوك وهم يصطادون الأسود في مصر وبابل· وهناك الكثير من الرسومات للأسود المجنحة في حضارة البابليين التي سادت بلاد الرافدين منذ نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد·
قصص وحكايات
كما تروي بعض القصص في تلك الحضارة صراعات وحروب بين كائنات بمواصفات خارقة· ومنها قصة الصراع الذي نشب بين زو، أو أنزو، الذي يوصف بأنه 'طائر' ونينورتا إله الحرب التي ترويها بعض الألواح الأكادية التي تعود الى القرن السابع قبل الميلاد· حسب الأسطورة يقوم أنزو بسرقة 'لوح الأقدار' الخاص بملك الآلهة· ولذلك أرسل نينورتا اله الحرب لمحاربته واستعادة اللوح المسروق وبعد معركة شرسة يتمكن البطل من صرع الطائر العملاق· كما تروي الميثولوجيا البابلية قصة مردوك ومعركته مع تنينة البحر تيامات حيث يجبرها على ابتلاع ريح قوية مما يؤدي الى بقاء فمها مفتوحا فتتاح له فرصة تصويب سهم يقوم باختراق جسمها ويقتلها· وتلك هي نسخ من قصص كثيرة عن معارك تدور بين الوحوش والأبطال· وصورة البطل الذي يوجه رمحه تجاه الفم المفتوح للوحش الذي يصارعه منتشرة كثيرة في الأدب والأعمال الفنية في الحضارات القديمة·
وبعيدا عن الأساطير والخيال ما تشهده المختبرات في العصر الحديث هي تجارب حقيقية لمحاولة انتاج مخلوقات تمتزج فيها مواصفات أكثر من كائن، ولكن بالطبع ليس بنفس الصورة التي تظهر في الآداب والفنون القديمة· فمثلا عندما يكون هناك خلل في صمامات القلب عند الانسان يمكن استبدالها بصمامات سليمة مأخوذة من البقر أو الخنازير مثلا· وهذا ما يجعله كميرا وفقا للمعنى الحرفي· لكن نشطاء التقنيات الحيوية يبدون معارضتهم لتجارب انتاج الكائنات التي تضم جينات أكثر من نوع حيواني بالرغم من أنها قد تنطوي على فوائد طبية هامة· ويشير هؤلاء الى أن النهوض بصحة الانسان يمكن أن يتم عن طريق آخر بدون الاضطرار الى ايجاد هذه الأنواع من الكائنات الغريبة·
فمن التجارب التي يمكن أن تثير القلق الفئران المعدلة وراثيا بحيث تنتج بيوضا ونطافا بشرية تخضع لعملية التلقيح الاصطناعي لانتاج جنين بشري والداه من الفئران· ولمواجهة هذا الخطر أصدرت كندا قانونا يحظر استخدام الخلايا البشرية في أجنة الحيوانات الأخرى أو العكس· تؤكد سينثيا كوهين عضوة اللجنة الكندية لمراقبة أبحاث الخلايا الجذعية أن مثل هذه المحاولات تحمل اساءة الى الانسان وتضيف: 'تنطوي هذه التجارب على انكار لحقيقة أن الانسان هو كائن له قيمة خاصة يجب أن تظل موضع احترام وتقدير·' وترى سينثيا أن على الولايات المتحدة أن تسن قانونا شبيها بالقانون الكندي لتحظر مثل هذه التجارب·
أما ايرف ويسمان من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا فيقول إن مثل هذا القانون يعيق تطور أبحاث لابد أنها ستفيد في انقاذ حياة الكثير من البشر· وكان ويسمان قد نجح من خلال أبحاثه في انتاج فئران تحتوي أدمغتها على خلايا بشرية بنسبة واحد بالمائة· وفي وقت لاحق من العام الحالي سيقوم بتجاربه لزيادة هذه النسبة الى 100% عن طريق حقن الخلايا العصبية البشرية في دماغ أجنة الفئران· ويقول ويسمان أن الهدف من تجاربه ليس انتاج فئران بأدمغة بشرية لمجرد الاثارة والتسلية، بل إنه يرنو لادراك طريقة عمل الدماغ فربما يساعد ذلك في تقديم المساعدة لمرضى الزهايمر وباركينسون·

اقرأ أيضا